الدرس 350 – ممارسات  لتخطي مرحلة الشاهد
From: Yogani
Date: August 5, 2009
للأعضاء الجدد: من المفضل قرأت الدروس من البداية، لأنها ضروريةٌ لفهم الدروس الحالية بشكل صحيح. أول درس هو “الهدف وراء هذا الحديث.”

الآن سنلقي نظرة أقرب على الشاهد، كيف يعمل وعلى طرق محددة تساعدنا في تخطي الثنائية الكامنة فيه. في الدرس 333 تكلمنا عن إذابة الشاهد في التوحيد، درس شامل يشرح عن التجارب، البحث، السامياما والتسليم النشيط في الحياة اليومية. في هذا الدرس، سنوسع الشرح ونتعمق أكثر في ممارسات للبحث عن الذات لدعم المزيد من التقدم. في الدرس اللاحق، سنضيف عبارة جديدة على ممارستنا المعتادة للسامياما مما يضيف عامل البحث عن الذات. فإذاً سنزيد نواحي جديدة لتساعدنا في تخطي عادة تماثلنا مع الأشياء المدركة حسياً، خصوصا الجسد/ الفكر. هذه العادة المتجذرة إسمها الأنا الفردية. هدفنا ليس تدمير الأنا الفردية وليس تدمير الفكر، بل توسيعهما ليصبحا تعبير أبدي وغير محدود. إن الأشياء التي سنتخلى عنها هي فقط وعينا المحدود للحياة، التعلق، العذاب والتعاسة. أما الباقي من فرديتنا فسيستمر بشكل سليم كما انه سيتنور جدا في عملية التحول الروحي.

الشاهد، عملية المشاهدة، والشيء

أولاً لنلقي نظرة على بنية الأشياء – الشاهد وعلاقته بإحساسنا بذاتنا الفردية، ميكانيكيات الإدراك الحسي، والأشياء المدركة حسياً. نحن نريد إعادة إحياء هذه العلاقة بطريقة تمكننا من تخطي حدود المكان والزمان، والعذاب الكامن في حالة الإنسان، مع الإبقاء على إنسانيتنا الكاملة و الانخراط في الحياة من اجل التحسين وسعادة الجميع.


منذ بداية دروس الممارسات اليوغية المتقدمة، منذ الدرس 13 عن التأمل العميق، إستعملنا عبارات متعددة لوصف ما ننميه في ممارستنا – الصمت الداخلي الراسخ، الثبات، غبطة الوعي الصافي، سات شيت اناندا، الشاهد الخ… كل هذه الكلمات تعني نفس الشيء، شعور متزايد بالهدوء، ثبات وسلام  موجود  وراء كل إدراكنا الحسي، أفكارنا ومشاعرنا. في وقت من الأوقات نلاحظ أنه بالرغم من أن كل شيء في داخلنا ومن حولنا يتغير، هناك شيء أساسي في داخلنا لا يتغير أبداً. سميناه “الشاهد”. إن هذا الوعي الصامت هو ثابت تماما، كما انه أساس إحساسنا بذاتنا. على الرغم من ذلك، ما زلنا في الثنائية مع الشاهد. أي أننا “هنا” كشاهد لا يتحرك، لكن في نفس الوقت منخرط في حركة  كل شيء موجود “هناك”، من بينها الأفكار، المشاعر و الإدراكات الحسية التي هي كلها خارج الشاهد. في حين نحن نعلم أننا منفصلين، ما زلنا في العالم في جسدنا/ فكرنا وكل شيء آخر. فإذاً إحساسنا بذاتنا منقسم: “الأنا” الغير متحركة هنا و”الأنا” الذي ما زالت منخرطة في كل ما هو موجود في  العالم الخارجي. إنها حالة من الثنائية. كما أنها تتفاقم عندما نلاحظ  الشاهد لأول مرة، لأننا سنشعر أننا وحيدين ومنفصلين عن الأحداث الحاصلة في داخلنا ومن حولنا. هذه الثنائية المتفاقمة في المراحل الأولى للشاهد طبيعية ومؤقتة كما سنرى.

إن الثنائية التي نختبرها في الحياة اليومية موجودة في ديناميكية المراقب ( الفرد)، عملية المراقبة (الإدراك الحسي) و الشيء المراقب. انه “الأنا” والآخر- اثنين. قبل مرحلة الشاهد (مرحلة ما قبل الشاهد في الفكر- راجع الدرس 327) ، المراقب هو الجسد/ الفكر مما يعني “أنا الجسد/الفكر الذي يراقب الأشياء. في هذه الحالة الفرد (الأنا) يتماثل مع الشيء. إن الشيء (الجسد/الفكر) يتنكر بزي الفرد وبرؤية الأشياء الأخرى- ثنائية ما بين الأشياء.

هذا هو الالتصاق في الوعي، الذات تتماثل في شيء، الجسد/الفكر، مما يخلق شعور خاطئ عن الذات. نحن نسميه الأنانية. إن الوعي ملتصق لدرجة أننا قد نعتبر ممتلكاتنا كجزء منا- منزلي، سيارتي، عائلتي، وطني الخ… إن عواقب هذا النوع من التماثل معروفة جدا. فقط  اقرأ  عناوين الصحف اليوم. بالطبع نستطيع القيام بما هو أفضل من هذه الحالة الراهنة.

مع ظهور الشاهد، كل هذا التماثل مع الأشياء يبدأ بالتراجع بدرجة كافية. ما زلنا نشعر أننا الجسد/ الفكر، لكننا أيضا نعلم أننا أكثر، أننا الصمت الداخلي الراسخ. الثنائية ما زالت موجودة، لكن فيها تحرر أكثر، وهذا نبدأ بملاحظته في إدراكنا الحسي وفي أعمالنا. إنها ذاتنا الحقيقية (الشاهد) التي ترى الأشياء بدلاً من الإحساس المغلوط (الأنانية) التي تدعي رؤية الأشياء. إنها خطوة كبيرة إلى الأمام. مع إختبارنا للشاهد الراسخ، الثنائية أصبحت في مرحلة الانتقال. المرحلة اللاحقة هي التحرر الكلي من التماثل مع الجسد/ الفكر والأشياء الأخرى المدركة حسياً. إنها خطوة قد تتطلب بعض الوقت، تدريجيا ينحل التماثل الذاتي (الالتصاق) للوعي. كلما كان الانحلال تدريجي أكثر، كلما كانت النتيجة أكثر ثباتاً واستمراراً. البعض يقول أن الانحلال حصل فجأة، مع أو من دون تدابير متبعة مسبقاً لتحفيزه.

التحولات المفاجئة للتماثل الذاتي ممكنة. عادةً تحصل مع الكثير من المصاعب الجسدية و النفسية، والكثير من النكسات المتكررة. لم يتم بناء روما في يوم واحد. لكن في النهاية سيتم بناؤها بطريقة أو بأخرى! في منهج الممارسات اليوغية المتقدمة، مع كل الممارسات المتوفرة لنا، ننمي الشاهد مباشرة في التأمل العميق، ونبدأ بتحريك الثبات بواسطة السامياما وأنواع بسيطة للبحث عن الذات. مع كل هذه العوامل، إن إحساسنا بذاتنا يتراجع تدريجيا عن الأشياء المدركة حسياً من بينها الجسد/الفكر. أثناء هذا التراجع التدريجي للتماثل مع الأشياء، إن علاقة المراقب، عملية المراقبة، والشيء المراقب لا تتغير أبداً. الذي يتغير هو إحساسنا بذاتنا. ينتقل ببطئ من الأشياء المراقبة إلى وعينا الظاهر والغير محدود. هكذا، إن الثنائية ما بين الشاهد والأشياء المدركة حسياً تصبح تدريجياً اقل ثنائية. إنها تصبح أكثر غير ثنائية. مما يعني أن الاثنين تدريجياً يصبحان واحد. في نفس الوقت، إن شعورنا بذاتنا يتوسع ليشمل كل الكون بشكل متزايد. لم يعد مربوط بأي شيء محدد، بل هو كامن وراء كل الأشياء المدركة حسياً. لا يتماثل بأشياء، بل كامن ورائهم بطريقة لم نعد نرى نفسنا كجزء من العالم، بل أصبح العالم موجود فينا. في نفس الوقت يحق لنا أن نستبدل الذات الصغيرة بالذات الكبيرة. انتقلنا من التماثل مع الذات الصغيرة فأصبحنا الذات الكبيرة الكونية. هذه ليست فلسفة. إنها تجربة ملموسة. إنها ليست فكرة. إنها حالتنا المستمرة 24 ساعة في النهار.

مع حصول هذه النقلة مع الوقت، نستطيع القول أننا نتخطى الشاهد، لأننا لم نعد نراقب أشياء خارجة عنا. على الرغم أن كل شيء يتحرك، لا نرى أي  شيء يتحرك. هذه حالة انعدام الأشياء. نحن فقط نرى حركة الثبات، فقط الواحد. من المؤكد أن هذا تناقض، تجربة مختلفة عن الاثنين، الشخص المراقب والشيء الذي يراقبه . لكن ميكانيكيات الإدراك الحسي ما زالت تعمل كما في السابق ضمن هذا الحقل الظاهر للغير ثنائية. الذي تغير هو شعورنا بذاتنا حيال كل هذا. الذي نراه، مهما كان الشيء الذي ننظر إليه، هو فقط الذات. ثنائية المراقب، عملية المراقبة والشيء الذي نراقبه، كلها ما زالت تعمل، لكنها أصبحت شفافة لنا تماما كشفافية نواحي كثيرة من الطبيعة التي تعمل تلقائياً. تماماً مثل الأعمال المتعددة والعفوية الحاصلة في جسدنا. نحن نرى كل الجسد وليس ملايين الأعمال التي تحصل في داخله. هكذا تماماً، عندما نصبح الوعي الغير محدود، لن نلاحظ الأحداث الكثيرة الحاصلة ضمن ذاتنا، من ضمنها الجسد/الفكر. نحن منخرطين في الحياة العادية، لكن شعورنا بالذات يتعدى التفاصيل التي تشع بشكل دائم بالحب الإلهي النابع من مركزنا الموجود في كل مكان، ذاتنا. نحن هذا.

لكننا لا نتحول بشكل كامل إلى هذه الحالة من الحرية والإشعاع الإلهي بليلة وضحاها، ولا حتى بسنة واحدة. إنها عملية، رحلة، أولاً نحو مرحلة الشاهد، من ثم نتخطى بثبات مرحلة الشاهد نحو التوحيد. أثناء الطريق، العالم المؤقت الذي كنا نعرفه يذوب في الضوء الملتهب للوجود، على الرغم أننا لم نذهب إلى أي مكان، وحتى لم نغير رويتننا اليومي للأنشطة. إنها رحلة من هنا إلى هنا كما شرحنا في الدرس 348.

تقنيات الجنانا يوغا- ادفيتا (الغير ثنائية)

افتراضا أننا أصبحنا جاهزين لهذه المرحلة، نملك رغبة ملتهبة للتحرر من عذاب الوعي المتماثل، لنرى ما الذي نستطيع فعله للمشي قدماً. بالفعل، كثيرون أعلنوا وجود المزيد من بعد ظهور الشاهد، خصوصاً الأشخاص الذين استمروا بالممارسات اليومية على مر الأعوام. إن التقنيات التي سنشرحها هنا اسمها جنانا، أي يوغا المعرفة. إنها نفس الادفيتا- فيدانتا، التي هي معرفة الطبيعة الغير ثنائية للحياة.

إن المنهج المنطقي يعتمد على مهاجمة المشكلة بواسطة الفكر، مثلما نسلم المجرم إلى الشرطي. ليس من الخطأ استعمال الفكر. لكن، إذا ما زلنا نتماثل مع الفكر، حتى مع وجود قليل للشاهد، من الصعب الحصول على حلول إلا في حال تطوير فهم معين، ووسائل تطبيق تمكننا من تخطي كمائن الفكر. بمعنى آخر، العملية ليست تحدي فكري. إن استعمال الفكر فقط هو طريقة مجهزة بشكل سيء جداً للبحث عن الذات. بالأحرى، إنها رحلة للشاهد وعلاقته بكل شيء آخر، مع تطبيق ضروري لبعض التقنيات الفكرية في بعض الحالات.  إنها ذات الطريقة المتبعة في التأمل العميق وبراناياما التنفس السنسلي، أي استعمال تقنيات فكرية محددة تمكننا من تخطي الفكر و أشيائه. مما ينمي الصفات الأساسية للتنور- الثبات و النشوة. الآن نريد توسيع هذه الصفات الأساسية قدماً من خلال مراحل التمييز، تجرد العاطفة والتوحيد. بهذه الطريقة، نتخطى مرحلة الشاهد. لقد قمنا بخطوات مهمة عند إضافة الممارسة المنهجية واليومية للسامياما (راجع الدرس 150 و 299). السامياما تنمي فينا عادة إطلاق النوايا والبحث في الثبات، بالتالي كلما نقوم به يصبح أكثر سلاسة و أكثر تعبيرا للتدفق الإلهي. عندما ننمي عادة السامياما، نجد أنفسنا في موقع ممتاز للسفر على طريق البحث عن الذات.

في الدروس السابقة، ناقشنا عدة أنواع من البحث عن الذات وعلاقتها بمراحل تطور الفكر. نستطيع توسيعها أكثر وتصنيفها على الشكل التالي:

جنانا عفوية:  بفضل ممارسات الجلوس، ظهور الشاهد وتذويب تماثل الذات مع الأشياء من خلال بحث عن الذات غير منهجي (عفوي) أثناء الأعمال اليومية.

جنانا الإطلاق: طرق منهجية تستعمل البحث والتمييز لإطلاق الأفكار والمشاعر الغير مرغوبة، “اختار أن أطلق هذه الأمر الغير حقيقي”.

جنانا التأكيد: تأكيد طبيعتنا الأبدية أي الذات/ الله بواسطة المثال المختار: “أنا هذا”.

جنانا الإنكار: تمييز يستعمل إنكار كل الأشياء المدركة حسياً من بينها كل الأفكار والمشاعر للوصول إلى التحقق: “ليس هذا وليس ذاك” (نيتي نيتي)

جنانا التخطي:  الاستفسار عن شعورنا بذاتنا و إطلاقه نحو المصدر للوصول إلى التحقق: “من أنا؟”

قد يحصل الكثير من التداخل ما بين هذه الأصناف في أي منهج ممارسة أو في ما يفضله الشخص الممارس. المهم هو معرفة أين نحن حالياً على الطريق الروحي وصدى موقعنا الحالي مع التقنيات المتعددة للبحث عن الذات. الهدف ليس القفز مباشرة إلى التقنية الأكثر تقدما في القائمة، بل هو إيجاد التقنية التي تناسب موقعنا الحالي. “تلقى صدى” أي أنها تحسن شعورنا بالراحة (مهما كانت رؤيتنا لهذه الراحة) من دون أن تؤدي إلى فوضى. بالنسبة إلى الكثيرين الذين يريدون البدء جدياً بالبحث عن الذات لأول مرة، إن الطريقة المناسبة تكون جنانا عفوية من ثم جنانا إطلاق، أي طرق عملية للبحث عن الذات تناسب حياتنا اليومية. من هنا يبدأ معظمنا، أليس كذلك؟

جنانا عفوية

مع روتين يومي من الممارسات اليوغية الفعالة، سيظهر الصمت الداخلي وسلاسة متزايدة في الأفكار، المشاعر والأعمال المتدفقة من الثبات على أجنحة حركة النشوة والإشعاع الظاهرين. ما يجب التفكير بخصوص كل ذلك؟ من المؤكد أننا سنفكر بشيء ما عن هذه التغييرات أثناء حياتنا اليومية. مع الوقت، ندرك أن شعورنا بذاتنا ينتقل عفويا من الأشياء المدركة حسيا نحو هذا الصمت الداخلي الذي ظهر وأصبح كامن وراء كل تجاربنا الحياتية، من بينها عملياتنا الداخلية للإدراك الحسي، التفكير و المشاعر. من السهل المشي مع هذه النقلة بشعورنا بذاتنا وهذا نسميه ظهور الادفيتا العفوية – الغير ثنائية العفوية. اسمها أيضا جنانا يوغا عفوية.

تذكر أن كل أجزاء اليوغا متصلة، لذا من الطبيعي أن تقدم في ناحية معينة من اليوغا يؤدي إلى تقدم في نواحي أخرى من اليوغا. كلما قمنا بنواحي أكثر من اليوغا، كلما ظهر تآزر أكثر وكلما كان تقدمنا أسرع. إن الحكمة الكامنة فينا (معلمنا الداخلي) يعلم هذا، لذا مع ظهور الادفيتا العفوية، سنميل للقيام بالبحث. قد يكون نوع من الإلهام للقيام بالبحث عن الذات أثناء قيامنا بأعمالنا اليومية – أمر بسيط جداً مثل، “من هو الذي يمر بهذه التجربة؟” من ثم الإطلاق. قد يكون البحث عن الذات بعدة أشكال، محدودة فقط بخيالنا. إن الناحية الكامنة وراء كل أنواع البحث عن الذات الحقيقة هي الإطلاق في الثبات. هذه المقدرة ننميها في السامياما. مع التأمل العميق اليومي والسامياما، البحث عن الذات مع صلة (في الثبات) هو أمر محتم. إن ظهور الشاهد ومقدرتنا على إطلاق  نوايانا فيه هو أساس البحث عن الذات الفعال.

أثناء الطريق قد نشعر بالميل لإضافة المزيد من الممارسات المنهجية في البحث عن الذات. كيفية قيامنا بهذا يعتمد على ميولنا الشخصية. حتى ولو لا نملك بهاكتي قوية لمثال أعلى في الغير ثنائية، إن أنواع البحث عن الذات التي تعالج المشاكل التي نصادفها في حياتنا اليومية هي أنواع فعالة جداً وتدفعنا قدماً. إنها بداية سهلة وجيدة، تعطي فوائد عملية في الآن وهنا: في علاقاتنا، في عملنا، وفي الطريقة المتنورة بشكل متزايد في رؤيتنا للعالم بشكل عام. مع الشاهد، نبدأ برؤية أفكارنا ومشاعرنا كأشياء ، هكذا نجد أننا نملك الخيار في إطلاق أو تحويل  أنماطنا الداخلية لتدعم مصالحنا الأهم. مع الوقت، التأثير سيكون قوي وكبير جداً. كل هذا يحصل عفوياً بفضل الممارسات اليوغية اليومية.

جنانا الإطلاق

مع ظهور الصمت الداخلي الراسخ (الشاهد)، نبدأ برؤية مشاعرنا وأفكارنا على حقيقتها أي أشياء. قبل الشاهد، كنا نتماثل مع الأفكار والمشاعر ونعتبرها إنها نحن، فنعطيها الكثير من الأهمية، وهذا ليس من مصلحتنا. إن أول خطوة على طريق السفر بعيداً عن الثنائية في مرحلة الشاهد هي تعميق فهمنا للأفكار/المشاعر. كلها ليست ذاتنا. مع التأمل العميق اليومي، سيحصل هذا الإدراك عفوياً. إذا قررنا القيام بالمزيد، نستطيع إتباع ممارسات منهجية وعملية في البحث عن الذات أثناء أفكارنا ومشاعرنا اليومية. بالتالي نطلقها و/أو نحولها لتحسين نوعية حياتنا. في نفس الوقت، هذا النوع من البحث عن الذات في الحياة العادية سيؤدي مع الوقت إلى تقدمنا تدريجيا نحو حالة الغير ثنائية أي التوحيد.


إن “تقنية الإطلاق” للكاتب ليستر ليفنسون (المعروفة باسم تقنية سيدونا) و كتاب “العمل” للكاتبة بيرون كيتي، هما مناهج عملية للبحث عن الذات واظهروا فعالية على مدى الأعوام. من دون شك هناك تقنيات أخرى. مناهج من هذا النوع هي بداية جيدة لممارسين الذين يبحثون عن تقنية منهجية للبحث عن الذات. هذا على إفتراض أن الصمت الداخلي الراسخ (الشاهد) قد تم تنميته.

إن تقنية جنانا الإطلاق تتضمن البحث والقيام بخيارات واعية  بخصوص أفكارنا ومشاعرنا فنراها كأشياء. قد نبحث عن صحة فكرة معينة أو شعور ما، كيف يؤثر على نوعية حياتنا، وكيف حالتنا تتغير للأحسن عند التوقف عن التماثل معها. كثيرا من الأحيان نكتشف عند البحث في أفكارنا /مشاعرنا إنها كلها مرآة للعقبات الموجودة فينا. نظن إن الأمور تأتي من الخارج لكن في الواقع إنها تنبع من داخلنا. إن التفسير ينبع من وعينا المتماثل الذي يحاول حماية نفسه. عند الاعتراف بلعبة الأفكار/المشاعر، إن قوتها تبدأ بالتلاشي. عندها قد نختار إطلاق الفكرة/الشعور بشكل تام. هناك عدة طرق لإطلاق وتحويل الأفكار والمشاعر. لكن الأمر يتطلب دائما الإختيار في الثبات، مما ينمي إحساسنا بذاتنا التي تتعدى الفكر/الجسد.  للمزيد من المعلومات، تستطيع مراجعة كتب ليستر ليفنسون و بيرون كيتي.
لأسباب روحانية، لا ننصح أبداً بالقيام فقط بالبحث عن الذات كممارسة وحيدة. على الأقل ننصح بالقيام بالتأمل العميق يومياً لننمي الصمت الداخلي الراسخ. إن هذا الصمت هو العامل الضروري. إن تقنيات جنانا الإطلاق نستطيع ممارستها من دون أثار سلبية قبل ظهور الشاهد الراسخ. لكن أشكال الجنانا المباشرة (التأكيد، الإنكار والتخطي) المشروحة لاحقا، لا ننصح بممارستها قبل ظهور الشاهد. نريد تجنب البحث عن الذات من دون صلة الذي يوثر علينا سلبياً ويخفف رغبتنا بمتابعة طريقنا الروحي. (راجع الدرس 325). مع التثبيت الذاتي الحذر في البحث عن الذات، وعلاقته بالصمت الداخلي (الشاهد)، نستطيع تجنب هذه المشاكل. عندها نتائج البحث عن الذات تكون ايجابية جداً.

جنانا التأكيد

إذا كنا نقوم بالبحث عن الذات العفوي منذ فترة، أو كنا نقوم بممارسة منهجية مثل جنانا الإطلاق، سنصل إلى مرحلة حيث نريد أكثر من مجرد معالجة أفكارنا ومشاعرنا في الحياة اليومية. نبدأ برؤية أبعد من صحتنا، علاقاتنا، عملنا أو حسابنا في البنك الخ… هذا لا يعني أن هذه الأمور لم تعد مهمة. هذه الأمور سيتم الاهتمام بها أثناء الطريق، لكن نظرتنا تبدأ بتخطيها للوصول إلى السؤال الأهم: من أنا وما علاقتي بالعالم من المنظار النابع أبعد من الجسد/الفكر ومشاكل العالم. السبب هو النقلة المستمرة في إحساسنا بالذات فيما يتعدى الأشياء المدركة حسياً. في هذه المرحلة قد نصبح مقتنعين أن ماهيتنا تتعدى كل الأشياء المدركة حسياً. انه كشف نشعر به، ويعبر عنه العقل كالتالي “أنا هذا. أنت هذا. كل شيء هو هذا“. انه كشف قديم، يعود إلى القرون الماضية ومذكور في الاوبانيشاد والبراهما سوترا. وما زلنا نتأكد من صحته إلى اليوم.

لكن هذا فقط العقل الذي يلقي نظرة خاطفة إلى الشعور. انه شعور بتوسع للذات. انه ليس توسع للأنانية، على الرغم انه قد ينجرف إلى هذه الناحية في حال تمسك الفكر بهذا الشعور من دون وجود المقدرة الكافية على إطلاقه في الثبات. الأنانية هي طفل الفكر. أما الذات فهي غبطة الوعي الدائم. إن الأنانية تتمسك بالحياة الغالية والمحدودة بالزمان والمكان. في حين أن الذات لا تتمسك بشيء وتتعدى الزمان والمكان.

ليس المهم ما يؤكده الفكر. كما أن تأكيدات الفكر قد تصبح عقبة على طريقنا الروحي في حال المبالغة. إن التأكيد الحقيقي هو عملية يقوم بها العقل. انه إطلاق نوايا العقل في الثبات. العقل يبحث عن المزيد من العقل. التأكيدات تبحث عن الذات الذي يتعدى العقل. إذاً التأكيد هو إطلاق النوايا والتسليم. من بعد الإطلاق، يتم إمتصاص النية في الثبات، فتتحرك في الثبات على شكل تدفق النشوة الإلهية.

إن الذات لا تؤكد أي شيء على الرغم أنها كل شيء. الأمر لا يعود للفكر. على الفكر أن يتوقف عن اندفاعه. عند نهاية الرحلة الروحية، الفكر قد يدعي: “أنا هذا!”. لكن الكلمات بحد ذاتها ليست هذا. فقط عندما يتم إطلاق التأكيد في الثبات يصبح التأكيد عامل مساعدة. نستطيع القيام بهذا مع أي مثال أعلى نختاره – “أنا الله”، “أنا شيفا” ، “أنا المسيح” الخ… كل هذه الكلمات تعني الذات عندما يتم إطلاقها في الثبات. كل شيء يصبح الذات عندما يتم إطلاقه في الثبات.

هذه عادة السامياما، وكما هي الحال دائماً، النتيجة ستكون وفق التدفق الإلهي وليس بالضرورة وفق نيتنا الفكرية. إن نتيجة التأكيد أمر لا نستطيع التنبؤ به. لا بأس بهذا. سنتعود على هذه الحالة. هذه هي طريقة التسليم النشيط للإلهي. هذه هي طريق الذات. إنها حياة في حب ابدي وسعادة.

جنانا الإنكار

وفق طبيعتنا، قد نميل للقيام بنوع آخر من البحث عن الذات. إن طريقة قديمة ومعروفة هي الإنكار. انه الإنكار المنهجي  للأنانية والعالم . انه تدمير خطو خطوة لتماثل الذات مع الأشياء المدركة حسياً من ضمنها الجسد، الأفكار، المشاعر و الفكر بحد ذاته. المقدمة هي إن الوعي ابدي وكل شيء آخر غير حقيقي، لا يملك وجود فعلي بالتالي يجب إنكاره. هذه هي العملية الفكرية للبحث في كل شيء مع الوصول إلى الخاتمة التالية: “ليس هذا و لا ذاك” (نيتي نيتي)

عندما نقول أن الوعي ابدي، لا نعني أن فكرة الوعي أبدية ، أو أن اختبار الوعي ابدي. إن هذين الاثنين هما في ميدان الفكر و التجربة النسبية. ابدي يعني لم يولد أبدا، لا يموت أبدا، لا يعرف أبدا. في جنانا الإنكار، نصبح الذات بواسطة التخلي عن كل شيء آخر. تماما مثلما فراغ حفرة يعرف من خلال إزالة كل الأوساخ المتجمعة في الحفرة. الأمر مثل اكتشاف تمثال جميل من ثم إزالة كل الرخام الزائد والذي لا يشكل التمثال. هذه عملية نيتي نيتي. اتبعها الحكيم آدي شانكارا منذ عدة قرون. كما تم إحياؤها مؤخرا في القرن العشرين من قبل نيزارغاداتا مهاراج.

هناك خطر كبير في هذا المنهاج، من السهل الوقوع في المشاكل في حال إتباعه من دون وجود صمت داخلي كافي (بحث عن الذات من دون صلة، من دون إطلاق في الثبات). كما ذكرنا في الدروس السابقة، الإنكار في البحث عن الذات ليس إنكار للحياة. عندما نزيل الأوساخ، نحن نفترض أننا سنجد حفرة الذات المتنورة، في حال عندنا صمت داخلي كافي (الشاهد). في هذه الحالة، من المنطقي والطبيعي أن نسلم الأشياء، الأفكار، والمشاعر على إنها جميعها غير حقيقية. لكن، إذا لم ننمي مرحلة ما قبل الشاهد، إن نيتي نيتي سيعطينا شعور باليأس، الخوف وانعدام الأمل لأن إحساسنا بذاتنا لم يترسخ في الثبات بعد. في هذه الحالة نيتي نيتي ليست فقط القضاء على الأنانية وعلى العالم، إنها أيضاً القضاء على إحساسنا بذاتنا بشكل كلي! بالمختصر، ان الشاهد لا يتم تنميته بسهولة فقط باستعمال نيتي نيتي لوحدها. لكن، نستطيع كشف الشاهد وإحيائه بواسطة نيتي نيتي إذا كنا ننمي الشاهد بواسطة التأمل العميق.

لتعقيد الأمور، بعض المعلمين يشجعون على ممارسة الإنكار في بداية الطريق الروحي. مما يؤذي الممارس نفسياً وحتى جسدياً. عندما يتم إتباع هذا المنهاج مع وجود معلم روحي، إن الثمن يكون كبير جداً. من الأفضل أن نبدأ ببطئ والتقدم ببطئ. لم يتم بناء روما في يوم واحد.

كما هي الحال في كل الممارسات المقدمة في الممارسات الروحية المتقدمة ، نوصي بالتثبيت الذاتي. انه ضروري للمحافظة على التقدم براحة. إن المبالغة بالتطهير في وقت قصير لا يفيد احد خصوصا انه قد يتطلب أسابيع أو أشهر للتعافي منه. من بين كل وسائل البحث عن الذات، الإنكار يتضمن اكبر خطر عند المبالغة بممارسته، لأنه يؤثر سلباً على كل ناحية من حياتنا من خلال تخفيف إرادتنا بالانخراط في الحياة العادية. وهذا ليس من صفات التنور، بل انه انحراف للممارسة الروحية.

إذاً مع إتباع هذه التحذيرات، إن طريقة جنانا الإنكار (نيتي نيتي) قد تبقى جذابة بالنسبة للبعض. إذا كان الإنكار يحصل بمحبة وفرح، ستعلم أن الصمت الداخلي يعمل فيك بشكل عظيم. من ناحية أخرى، إذا أصبح الإنكار عملية منطقية ميكانيكية مثل محاربة عدو، من دون بهاكتي حقيقية، لن ينجح الأمر. هذا صحيح بالنسبة لكل أشكل البحث عن الذات. إن الجسد/الفكر، الأنانية والعالم ليسوا أعداء. إذا عاملناهم على أنهم أعداء، فإن الثمن سيكون غاليا.

جنانا التخطي

رامانا مهارشي، أحد أهم حكماء القرن العشرين، قدم طريقة مميزة للبحث عن الذات لا تتعامل بتاتاً مع الأشياء المدركة حسياً. تنوره حصل خارج الطرق التقليدية للجنانا والادفايتا في الهند، وخارج نظام الغورو برمته. طريقته فيها تجديد، فعالة وآمنة. ربما هي أكثر طريقة مباشرة للتنور. نقوم بها مع صلة، مع تنمية الشاهد مسبقا من خلال التأمل العميق وعادة إطلاق النوايا في الثبات الذي انشأناه (سامياما). إن الطريقة هي بحث مباشر عن ماهية الشعور بالأنا. السؤال الشهير، “من أنا؟” هو أساس هذا النوع من البحث عن الذات. لكن أولا يجب ملاحظة هذا الشعور بالأنا. إذاً قبل أن نسال “من أنا؟”، يجب أن نسال “لمن تحصل هذه التجربة الآن؟”. الجواب واضح. التجربة تحصل لي “أنا”. عندها نسال “من أنا؟” ونسلم السؤال.

هذه عملية تتخطى الأشياء المدركة حسياً، لأننا نسأل أولاً من هو الذي يختبرهم ( “أنا”) ومن ثم نبحث عن ماهية “أنا”. لان هذا المنهج يذهب مباشرة ابعد من علاقة الشيء والشخص الذي يرى الشيء، نسمي هذا المنهج جنانا التخطي. إذا نظرنا إلى هذه التقنية من ضمن منهج المراقب الديناميكي، عملية المراقبة، والشيء المراقب، سنبدأ بملاحظة إدراك حسي ونبحث مباشرة عن الشخص الذي يراقب. إذاً شعورنا بالذات موجود في الجسد/الفكر، ما زلنا نعود  إلى المراقب بواسطة الإدراك الحسي. نستطيع ملاحظة هذا بسهولة بواسطة البحث البسيط التالي، “من هو الذي يدرك الجسد/الفكر؟”  الجواب هو : أنا”. من ثم : “من أنا؟”

البعض يفضل أن يسأل، “ما هو أنا؟” لا يهم أساس هذه الطريقة هو التماثل والبحث عن الشعور ب أنا، أو بفكرة أنا، من ثم إطلاق البحث في الثبات. الأمر دائماً يعود إلى هذا.
السؤال “من أنا” لا يأتي جوابه من الفكر. انه يتم إطلاقه في الثبات. إنها ليست عملية عقلية. إنها سامياما بسيطة تحصل معنا أثناء أعمالنا اليومية. لا يجب أن تؤثر سلباً على حماسنا للانخراط في الحياة. في حال تأثيرها على حماسنا للانخراط في الحياة نكون نبالغ وبالتالي يجب القيام بالتثبيت الذاتي. على الأغلب سنمر بمرحلة من الحماس في الحياة، نابع من الذات المتألقة كل مرة نطلق البحث “من أنا؟” في الثبات.

يجب التأكيد أنها ليست عملية ميكانيكية. طرح سؤال “من أنا؟” ألف مرة من دون الإطلاق في الثبات ليس له أي مفعول مقارنة بطرحه وإطلاقه مرة واحدة (في الثبات) بصدق. اسأل نفسك الآن، ما هو تأثير السؤال “من أنا؟”. هل فعلا تريد أن تعلم من أنت؟ إذا كنت فعلا تريد المعرفة، وان تحصل على الصمت الداخلي الراسخ إن هذه الطريقة للبحث عن الذات تعطي نتائج مذهلة.

حب الذات

مهما كان منهجنا في البحث عن الذات، إن الشاهد سيتطور بثبات من وعي منفصل ناشف إلى تدفق حي ومضيء وسنرى تأثيره في كل الجهاز العصبي و في كل مكان. نحن نسميه تدفق الإلهي والثبات في الحركة. مهما كانت التسمية، نحن ندرك أن هذا ليس فقط ماهيتنا وذات الجميع، لكنه أيضا حب غير محدود يتدفق من اجلنا، من خلالنا وللجميع.

من الغير ممكن عدم الوقوع كليا وتماماً في حب الذات. قد نسميه الله أو أي اسم آخر يلقى صدى عندنا في نظرتنا للإلهي. انه الذات. انه الله. انه الشيء الذي يثير البهاكتي عندنا، انه جوهر مثالنا المختار منذ البداية. أن البهاكتي التي اختبرناها كانت دائماً تعبير عن هذا. لم نكن أبداً لوحدنا. والآن هذا يظهر أمامنا بشكل كامل، ويعبر من خلال عربة جهازنا العصبي. أن الاختبار المباشر لهذا هو علامة فارقة على طريق إذابة الذات المحدودة في الفرح الأبدي للذات. لطالما كنا نملك هذه البذور الروحية، ومن خلال إخلاصنا المثابرة و المجهود، نستطيع تخطي مرحلة الشاهد وإدراك هذا بالكامل.

سنكمل الشرح عن الجنانا يوغا/ ادفايتا فيدانتا وعلاقتها بالممارسات اليوغية الأخرى، مع إقتراح ممارسات إضافية قد تساعدنا في المضي قدما من الموقع الذي نحن فيه الآن على الطريق الروحي.

المعلم في داخلك.

« »