الدرس349- إلتقاء البهاكتي مع البحث عن الذات

From: Yogani
Date: July 28, 2009

للأعضاء الجدد: من المفضل قرأت الدروس من البداية، لأنها ضروريةٌ لفهم الدروس الحالية بشكل صحيح. أول درس هو “الهدف وراء هذا الحديث.”

في الدرس 335 شرحنا دور الرغبة في البحث عن الذات، كيف أن رغبتنا الروحية تعطي الزخم لممارساتنا، فنصل تلقائياً إلى البحث عن الذات (في الصمت الداخلي الراسخ). مع الوقت، إن رغبتنا الروحية تندمج مع الثبات بحد ذاته، فتصبح رغبة إلهية، يتم التعبير عنها بالحب الإلهي المتدفق النابع من داخلنا والمتوجه إلى العالم الخارجي.

هنا، نريد أن نلقي نظرة أقرب إلى ميكانيكية هذا الصقل للرغبة وعلاقتها بالعقل، خصوصاً دور البهاكتي في عملية البحث عن الذات.

بالنسبة إلى معظمنا، البهاكتي سهلة للفهم. عندنا شعور، شوق، رغبة لشيء ما. عندما هذا الشعور/ الرغبة يصبح موجه مباشرة نحو مثال أعلى نختاره، ونستمر هكذا في القول والفعل، عندها يحصل التعبير عن الإخلاص أو البهاكتي. كما شرحنا في الدروس الأخيرة، نستطيع تحديد  صفات ونتائج البهاكتي على الأقل من الناحية النوعية. لقد سمينا البهاكتي “علم الإخلاص”. البعض قد يقول أننا نبالغ، لكن لا احد يستطيع إنكار قوة الشوق العاطفي عندما يستعمل في الميدان الروحي، خصوصا عندما يتم تطبيق منهجي لممارسات يوغية قوية ضمن إطار رغبتنا الروحية، حيث كل واحد منهما ينمي الثاني على شكل موجات دائمة التوسع من الشوق، الذي يختلط مع ظهور الصمت الداخلي الراسخ وحركة النشوة. بالفعل، إن النتائج العميقة لهذا المسعى تؤدي إلى ممارسة أخرى نسميها “التثبيت الذاتي”. إن الممارسين في أيامنا الحالية ليس عليهم التسول للحصول على بعض الفتات الروحي. حالياً إن التطور الروحي قد يكون قوياً جداً لدرجة أننا قد نضطر إلى تخفيف الممارسات للمحافظة على حد ما من الاستقرار في طريقنا الروحي.

كل هذا جيد، لكن ما هو دور البحث عن الذات؟  من أول لمحة يبدو أن البحث عن الذات ليس سهل الفهم مثل البهاكتي. السبب هو الافتراض المتجذر إن البحث عن الذات هو عملية فكرية – استعمال الفكر لغزو الفكر. هذا افتراض خاطئ. إذا لم يؤدي باكراً إلى مشاكل على شكل عمليات فكرية معقدة، قد يؤدي لاحقا إلى إلهائنا عن ممارساتنا الفعالة  فنضل الطريق بسبب تقييمنا الغير ضروري لتقدمنا. كل هذا لا علاقة له بالبحث عن الذات.

البحث عن الذات ممارسة تعتمد كلياً على درجة الصمت الداخلي المستمر (الشاهد) الموجود عندنا حالياً. مع ممارسة يومية سليمة للتأمل العميق، الصمت الداخلي سيتزايد وبالتالي تتزايد مقدرتنا على القيام ببحث عن الذات فعال. لقد شرحنا هذا في التفصيل في الدروس الأخيرة. البحث عن الذات ونوعيته  مع مرور الوقت، هو طريق متواصل يمر بخمس مراحل للفكر شرحناها في الدرس 327، من مرحلة ما قبل الشاهد، إلى الشاهد، إلى التمييز والتجرد من العاطفة وصولاً إلى التوحيد. هذا “الهدف المتحرك” في البحث عن الذات يجعل من الصعب وصف نوع معين من الممارسة نستطيع تطبيقها بفعالية دائمة في كل الأوقات.

كثيرون يسألون ما هي تقنية الممارسات اليوغية المتقدمة في البحث عن الذات.. الجواب هو أن الأمر يعتمد جداً على موقع الممارس في عملية التطهير والانفتاح وعلى ظهور الصمت الداخلي المترسخ. في مرحلة ما قبل الشاهد، لا نوصي إلا بالقليل من البحث عن الذات. فقط تأمل واخرج وعيش حياتك كاملة. في مرحلة الشاهد، نبدأ برؤية أفكارنا والعواطف الناتجة عنها كأشياء منفصلة عن ثباتنا، مما يجعلنا نتساءل عن صحة هذه الأفكار والمشاعر، فنطلقها أو نحولها لتحسين نوعية حياتنا. هذا النوع من البحث عن الذات أصبح شائعاً بفضل الكتاب مثل بايرون كايتي، ليستر ليفنسن وآخرين. كما في كل أشكال البحث عن الذات، إن فعاليتهم  تعتمد على ظهور الشاهد المترسخ.

عندما تصبح الثنائية ما بين المشاهدة والأشياء المدركة حسياً أكثر قوة، ندخل طبيعيا قي مرحلة التمييز. قد نستمر بالبحث المنهجي  عن الذات (أو الغير منهجي) الذي اعتمدناه في مرحلة الشاهد، لكن سنجد أننا نصقل نظرتنا إدراك أكثر حدساً للأشياء الداخلية والخارجية لأننا نصبح مقتنعين بإختبارنا أن ذاتنا الحقيقية هي كليا خارج ميدان الأشياء المدركة حسياً. قد نلجأ إلى تأكيدات ( أنا هذا) . لكن في النهاية، إن التمييز هو إنكار لحقيقة كل الأشياء المدركة حسياً والمحدودة بالزمان والمكان. بالنسبة إلى الذين يصلون إلى هذا النوع من التمييز مبكراً، قد تصبح رؤيتهم سلبية للحياة. هذا ليس صحيح أبداً. عندما يطلق المؤقت في الثبات (مع صلة)، يظهر الأبدي الذي هو كله حياة، كله حب وكله وجود. في الوقت المناسب، إن التمييز يؤدي عفوياً إلى التعاطف المحب الموجه إلى كل ما هو مؤقت مما يوصلنا وأخيراً إلى مرحلة التوحيد الأبدي وتدفق الحب الإلهي.

في النهاية، الأمر لا علاقة له “بالأشياء” أبدً، بل في الترسخ في الذات الغير مدركة والمليئة دائما بالغبطة. تلك الذات التي ليست أي شيء بتاتا لكنها تتضمن كل شيء قد يظهر. في هذه المرحلة حيث الإخلاص قوي وعميق،  يكفي  أن نسأل ببساطة “من أنا؟ عندما نرى أي شيء يدرك حسياً. الجواب لا يأتي بواسطة الفكر بل في الإطلاق في الحالة التي يوحيها لنا السؤال. هذه تصبح حالتنا دائماً، حتى وجسدنا/فكرنا والحب الإلهي المتدفق مستمرين بالعمل بشكل طبيعي في العالم. إن المراحل الأخيرة من البحث عن الذات مشروحة في تعاليم رامانا مهاريشي ونيزارغاداتا مهاراج، وفي تعاليم الكثيرين الذين اتبعوا خطواتهم بدرجات متفاوتة من الفعالية  خصوصاً مع تلاميذهم.

من ناحية التعليم (خصوصا في العصور الحديثة) إن العامل الناقص عادة هو البهاكتي الذي يستمر في تحريكنا عبر المراحل المتعددة للفكر ويستمر بالإشعاع المحب لذاتنا. من دون  شك، نستطيع القول أنه من دون البهاكتي، لا يحصل بحث فعال عن الذات أو أي تنور. في الواقع، البحث الفعال عن الذات هو بهاكتي صافية. إنهما واحد نفس الشيء. نتوق لمعرفة من نحن وماهيتنا، وان هذا التوق يؤدي إلى السؤال”من أنا؟”. نبدأ بهذا وننتهي به أيضا. أثناء الطريق، نتعلم الطرق الضرورية لإشباع شوقنا وتوجيهه للمعرفة. بما أننا لا نستطيع معرفة الذات التي لا يمكن معرفتها، إن البهاكتي والبحث عن الذات يندمجان، عندها نصبح الذات عن وعي.

البعض يقول “لطالما كنت الذات، ليس هناك شيء لتصبحه!” هذا صحيح. لكنها حقيقة تقال خطأ، لأنه بالنسبة لكل واحد منا إن رؤيتنا هي 100% حقيقتنا. من الصحيح أننا الذات الأبدية، لكن يجب تغيير رؤيتنا لنختبر هذه الحقيقة كاملة. هذا التغيير هو عملية، رحلة يقوم بها كل واحد منا وفق إلهامه. هذه الرحلة تبدأ وتنتهي مع شوقنا الصادق وإرادتنا بالتصرف في كل خطوة على الطريق.

المعلم في داخلك.

« »