الدرس 348- رحلة من هنا إلى هنا

From: Yogani
Date: July 16, 2009

للأعضاء الجدد: من المفضل قرأت الدروس من البداية، لأنها ضروريةٌ لفهم الدروس الحالية بشكل صحيح. أول درس هو “الهدف وراء هذا الحديث.”

الحياة الروحية فيها الكثير من التناقض. أحيانا التناقض موجود في التعاليم بحد ذاتها. يُقال لنا أنه علينا التخلي عن رغباتنا لكن في نفس الوقت علينا أن نتوق إلى الله. يُقال لنا أن نعمل لكن علينا التخلي عن تعلقنا بثمرة العمل. يُقال لنا أن نكون في العالم لكن ليس من العالم. البعض يقول أنه علينا أن ننسى كل العالم وأن نترسخ في الذات فقط. لكن ما زلنا نستيقظ في الصباح. 

بالتالي التعاليم فيها الكثير من التناقض. أحياناً قد يحصل تصرف هوسي متطرف من ناحية أو من ناحية أخرى، مما يؤخر تقدمنا الروحي بدلاً من تحفيزه. هذه التعاليم قد تكون دقيقة ضمن سياق حياة الأشخاص الذين يعطونها، لكنها قد لا تنطبق على الأشخاص الآخرين الذين يسمعونها  أو يقرأونها. الأمر يتخطى الأفكار. من هنا التناقض. فقط عند الترسخ في الصمت الداخلي نستطيع معرفة الحقيقة.

البهاكتي فيها ميزة كبيرة في التعاطي مع هذه التناقضات والأمور الأخرى التي تلهينا عن الطريق الروحي، لأن البهاكتي تتجاهلها كلها! الإخلاص هو عاطفة صافية ولا تعقد الأمور بتاتاً. نحن بحاجة فقط إلى القليل من التفكير.
كما يُقال في الإنجيل، “ابحث أولاً عن ملكوت السماء، من ثم الأمور الأخرى تعطى إليك”. القلب يعرف هذا تماماً.

الحب لا  يعرف المنطق، مما يُمكن شخص يملك بهاكتي قوية من تخطي الإلهاء والتصرف. إذا تصرفنا و قمنا بالممارسات الروحية الفعالة، عندها تبدأ الرحلة الروحية. عندها التناقضات والاختبارات الروحية تصبح مجرد مشاهد عابرة في عملية التحول الروحي للإنسان، بدلاً من أن تكون مجموعة من التقييم الذي لا ينتهي. التناقضات والإختبارات الروحية تصبح مجرد علامة عابرة على الطريق.

الطريق من أين إلى أين؟

من هنا إلى هنا. ليس هناك من مكان آخر نذهب إليه.

عامل آخر للتناقض الإلهي هي فكرة أنه علينا السفر بعيداً للحصول على التنور، في حين أنه ليس هناك من مكان نذهب إليه. بمعنى آخر هناك الكثير للقيام به، لكن ليس هناك أي شيء للقيام به. تماماً مثل التناقضات الروحية الأخرى، إذا فكرنا كثيراً بالعمل من دون عمل، قد يحصل تصرف متشدد. مثل الإنسان الذي يترك مسؤولياته في الحياة، زوجته و أولاده ويهرب بعيداً للحصول على التنور. أو مثل المريد الذي يوقف كل الأعمال لأنه يظن أنه ليس هناك شيء للقيام به فيصبح عبء على من حوله.

سواء المريد هرب بعيداً أو جلس من دون أي عمل، الحالة واحدة. أينما ذهبنا، بغض النظر عن ما نقوم به أو لا نقوم به، إن الرحلة هي من هنا إلى هنا – من عدم إدراك إلى إدراك ذاتنا الحاضرة دائما.

ليس علينا ترك منزلنا والتوقف عن القيام بمسؤولياتنا للوصول إلى هذا الإدراك. كل ما علينا القيام به هو التوق إليه، نمضي بعض الوقت يومياً بالممارسات المنهجية مثل التأمل العميق وبراناياما التنفس السنسلي، من ثم نخرج ونعيش حياتنا الطبيعية. عندها نكون نسافر بسرعة داخليا في التطهر والانفتاح من دون القيام بالكثير من الأمور الغير اعتيادية خارجيا. ليس علينا ارتداء ثياب غريبة، أو أن نغير أسلوب حياتنا أو القيام بطقوس معقدة. نستطيع القيام بتلك الأمور إذا كنا نرغب بها بقوة، لكنها لا تفيدنا إلا  بحال شعورنا بالإلهام الداخلي بطريقة ما. نستطيع تحقيق نفس الشيء ونحن نرتدي جينز و تي شيرت ونجلس في المكان الذي نحن فيه الآن.

في حين أنه في النهاية التنور هو عدم العمل، تسليم، لكن علينا القيام بشيء لتنميته.

نستطيع إنتظار (ربما لوقت طويل جداً) شخص آخر ليضيء النور أو نستطيع نحن النهوض فنضيء النور. علينا القيام بشيء للوصول إلى عدم قيام أي شيء. وليس علينا ترك منزلنا لهذا الهدف.

الأمور في أيامنا مختلفة جداً عن الماضي. المعلومات حول طرق و تقنيات التحول الروحي للإنسان متوفرة في أيامنا. إنه عصر المعلومات وتقريبا الجميع يستطيع الاطلاع عليها. في الماضي، قد يضطر المريد أن يسافر بعيداً ليجد المعرفة. كما أن المعرفة كانت تتطلب الكثير من الواجبات – أسلوب حياة معين، طقوس الخ… لكن حتى في الماضي، الرحلة كانت في داخل كل شخص، وستبقى كذلك. اليوم، مع الاطلاع المتزايد على المعلومات الروحية، نستطيع تخطي الدعائم الخارجية للحياة الروحية وتبسيطها من خلال إتباع فقط المبادئ الأساسية والتقنيات التي هي عالمية. نجد أنه هناك دورات متوسعة لا تنتهي من الرغبة الروحية، العمل، التطهير والانفتاح. دورات تستمر لحينما يصبح التنور والتناقضات الروحية جزء من الحياة اليومية لكن لا نلاحظها كثيرا.

أثناء الطريق ستحصل الكثير من الاختبارات. قد نشعر بالكثير من الشوق في بداية طريقنا الروحي حتى ولو لم نسافر بعيداً بعد. مع ممارسة التأمل العميق يومياً على فترة أشهر وسنوات ، سندرك الصمت الداخلي ونستقر في هذا الذي نكتشف انه  ذاتنا. الحياة العادية ستستمر على الرغم أننا تخطيناها، ولا نتأثر بها. سيظهر تجرد من العواطف في خضم العواطف الطبيعية في الحياة. مما قد يحيرنا قليلا خصوصا أننا نقوم بأعمالنا في الحياة كالمعتاد.

مع إستمرارنا، سنجد أن رغبتنا لم تذوب لكنها تحولت. تحولت من رغبة شخصية إلى رغبة إلهية. هذه النقلة النوعية من خدمة نفسنا (جسدنا/ فكرنا) إلى خدمة الذات الموجودة في كل مكان من حولنا في الآخرين. أثناء هذه النقلة، تعلقنا بنتائج أعمالنا سيصبح اقل.

يُقال أن الرغبة تؤدي إلى العمل والى التعلق بنتائج العمل. لكن، مع تقدمنا في الطريق الروحي، إن رغبتنا تتغير وتصبح في سبيل العمل بحد ذاته فقط – التدفق الإلهي الآتي من خلالنا – وليس لنتائج العمل. إن الرغبة والتدفق الإلهي يصبحان واحد. هكذا، تصبح أعمالنا قوة هائلة للتطوير في كل ما نقوم به في حياتنا اليومية. إنها قوة الحب – تدفق الحب الإلهي.

نصبح نعيش حياة كلها شوق لكن من دون شوق، حياة كلها رغبات لكن من دون توقع أي شيء، حياة كلها إنخراط لكن في التسليم النشيط. هذا ممكن فقط من خلال الإخلاص المستمر وظهور الصمت الداخلي.

إن رغبتنا الروحية الأولى تستمر في كل رحلتنا وتتحول تدريجيا من الفردية إلى الإلهية. لم نذهب إلى أي مكان، فقط قدما في تحقيق ذاتنا- رحلة من هنا إلى هنا. أصبحنا الحب المتحرك دائماً، الثبات في العمل، أي زفاف الثبات والنشوة الإلهية التي تشع باستمرار من داخلنا. عندها كل الحياة تصبح إلهنا المحبوب وكل ما نقوم به هو رقصة مجيدة تشع التوحيد في كل مكان. الرحلة تبدأ في الحب وتنتهي في الحب.

المعلم في داخلك.

« »