الدرس 347- دور خدمة الآخرين

From: Yogani
Date: July 13, 2009

للأعضاء الجدد: من المفضل قرأة الدروس من البداية، لأنها ضروريةٌ لفهم الدروس الحالية بشكل صحيح. أول درس هو “الهدف وراء هذا الحديث.”

يُقال إن خدمة الآخرين هو الطريق الملكي للتنور. حتى ولو لم يكن كذلك، من المفيد أن نقوم بالخير في هذا العالم، إذاً مساعدة الآخرين الذين هم بحاجة.. أمر له قيمة دائماً. لكن هل الخدمة لوحدها تشكل فعلاً طريق للتنور؟ ما هو دورها  في إشباع تطلعاتنا الروحية الأسمى؟

بعض الأشخاص المشهورين أمضوا كل حياتهم في خدمة الآخرين، يقومون بالعمل الصحيح، لكنهم ظلوا يشكون في اقترابهم من الله أو من الحقيقة في المعنى المطلق. لكنهم استمروا في خدمة الآخرين للنهاية.

لماذا؟

على الأغلب لأن الخدمة الحقيقية ليست فيما نتوقعه كنتيجة، حتى ولو كنا نتوقع شيء مثل التقدم الروحي. نحن نقوم بالعمل فقط لأننا نشعر بشيء يحركنا من الداخل. المسألة مثل معضلة الدجاجة والبيضة. أيهما يأتي أولاً، التقدم الروحي أو الخدمة؟ الأمر ينجح من الناحيتين.

شيء واحد هو أكيد. الخدمة بصدق تأتي من الداخل ولا نستطيع تنظيمها من الخارج، على الأقل ليس بشكل كامل. هذا هو الفرق ما بين الخدمة و العبودية. الأول يشعر بحرية الخيار، أما الثاني فهو مجبر، ربما مجبر من قبل عبوديتنا الداخلية للفكر. من السخرية أن العيش ضمن قوانين صارمة ومفروضة أمر خطير يؤدي إلى نتائج عكسية من الناحية الروحية.  لا نستطيع فتح القلب بواسطة التمسك والتشبث. هذا يتم فقط بالتسليم. عندها نرى أن حاجات الآخرين بأهمية حاجاتنا، وسنميل لخدمتهم. إنه جوهر القاعدة الذهبية: ” تصرف مع الآخرين كما تريدهم أن يتصرفوا معك”. هذا هو أساس العمل الصحيح.

هل العمل الصحيح هو نتيجة أو سبب في طريقنا الروحي؟ السؤال المطروح هو: ما الذي يوصلنا في الحياة إلى درجة الاختيار الحر بتجنب الأذى و خدمة الآخرين أكثر؟ هل السبب هو ظهور البهاكتي؟ هل السبب هو إعجابنا بأشخاص يقومون بذلك؟ أم هو التأمل العميق اليومي والصمت الداخلي الناتج عنه؟

إنها كل هذه الأسباب معاً.
عندما نجد أننا نختار أكثر خدمة الآخرين، قد يصبح الامر عادة غير جيدة كليا خصوصا في البداية. لأننا سنحصل على ردود فعل ايجابية. سيتم مدحنا على خدماتنا. سيتم الإعجاب بنا وإحترامنا. بعض الأشخاص قد يعطونا المال لنستمر بالخدمة على مستوى أكبر. إن إغراء هذه الأمور قد يدفعنا إلى الاستمرار بهذا النوع من العمل. بالتالي أين هي البهاكتي؟ أين هو مثالنا المختار وعلاقة أعمالنا بتأملنا العميق وبقية الممارسات اليوغية؟ إن الذين يقومون بمهنة خدمة الآخرين قد تختلط عليهم الأمور.

هل هذا يعني أننا لا يجب أن نخدم؟ كلا. لكن من الحكمة أن نُبقي الخدمة بمستوى ندائنا الداخلي، خصوصا فيما يتعلق بالبهاكتي والممارسات الروحية.

بالنسبة إلى الذين يريدون أن يغيروا العالم النصيحة بسيطة: تمسك بما تؤمن به، مع الاستمرار في تنمية الصمت الداخلي في التأمل اليومي يومياً. فكر بحياة وأعمال العظماء مثل غاندي، مارتن لوثر كينغ والأم تيريزا في كالكوتا. تحرك كما يتحرك الثبات وليس كما يحركنا الخوف أو الطمع.

الخدمة لا تعني القيام بأمور عظيمة تلفت نظر العالم. فقط القليلون يتم ندائهم لهذا. بالأحرى، الخدمة هي ما نقوم به الآن. إنها علاقاتنا الحالية وفرصنا الحالية لمساعدة أي شخص. من حسن الحظ إن عندنا مسؤوليات ونعرف أشخاصا بحاجة إلى المساعدة الآن و هنا. المقدرة على قول “نعم” هي خطوة على طريقنا الروحي، مع المحافظة على التوازن والتثبيت الذاتي الجيد في البهاكتي، الممارسات والروتين اليومي للأعمال. عندما يتم هذا الانفتاح فينا الآن وهنا، نحن ننفتح على كل العالم.

العيش مع العائلة يعمق ممارساتنا وخدمتنا، مما يؤدي إلى المزيد من الفرح والإكتفاء. التحدي الأكبر الذي تفرضه العائلة في الطريق الروحي هو خدمة كل أفراد العائلة مع الإبقاء على ممارساتنا الروحية. الأمر يتطلب الكثير من الإلتزام والكثير من البهاكتي. هناك العديد من المكافئات في إبقائنا على هذا التوازن. راجع الدرس 209 للنصائح عن دمج الممارسات الروحية في جدول أعمالنا اليومية .

البعض قد يفضل التركيز فقط على الحياة الروحية وتجنب المسؤوليات الخارجية. هذا ليس سهلاً أيضا. من دون إندماج جيد في العالم الخارجي، الناسك قد تضيق وجهة نظره، فلا يهتم بالآخرين، وقد يتوقف تقدمه الروحي على الرغم من أنه يقوم بالكثير من الممارسات اليوغية.

خدمة نوع ما من “العائلة” أمر ضروري لإبقاء التفتح في القلب والتقدم الروحي. العائلة قد تكون الجار الذي بحاجة إلى المساعدة، زوجتنا/ زوجنا، أولادنا، مجتمعنا أو كل البشرية. إنضمام يصلنا بالآخرين وخدمتهم هو أمر مهم جداً. إنه جزء ضروري من الطريق الروحي لكل شخص خصوصا في المراحل المتقدمة للتفتح الروحي، حيث يتم تنمية التدفق الإلهي في الحياة اليومية – جلب الحقيقة الداخلية إلى الظهور الخارجي.

إذاً طريقنا هو في الزواج والحياة العائلية، هذا عظيم. إذا كنا متزوجين أم لا من المؤكد أننا سنجد أنفسنا مدفوعين إلى دور في الحياة يضعنا في موقع المسؤولية لمساعدة شخص ما. إذا كنا نساعد الآخرين، نحن نساعد أنفسنا. إنها أقدم حكمة في كل الكتب الدينية. الأمر سيحصل تلقائياً مع بدء تحرك الثبات من داخلنا إلى الخارج بواسطة أمواج من الحب وغبطة النشوة.

الخدمة الحقيقية مبنية على الصمت الداخلي الراسخ، الشاهد، وهي لا تتأثر  بالظروف الخارجية، أو صفارات إنذار المديح والجوائز المادية في حال حصولها. إن الصمت الداخلي هو الشرط المسبق الأهم للخدمة التي تدفع تطورنا الروحي إلى الأمام والتي تفيد الأشخاص الذين نخدمهم. مما يعني أن البهاكتي التي تنادينا للتأمل اليومي هي أهم بكثير لتقدمنا الروحي من البهاكتي التي تنادينا للخدمة. إذاً التأمل يأتي أولا، عندها من المؤكد أننا سنميل للخدمة التطويرية وليس للخدمة المقيدة.

في حين أننا قد نكون نساعد من هم بحاجة، إن التقدمة الفعلية لهم ولنا هي في الحب الذي يتم نقله في التواصل من خلال الصمت الداخلي. إذا كان الصمت الداخلي موجود، القلب سيذوب. هذه هي الديناميكية الأساسية للخدمة. عندما تحصل هذه العملية، الخدمة ستزيد الذوبان وتدفق الحب الإلهي النابع من الداخل. قبل أن يترسخ الصمت الداخلي، قد يحصل شكوك والخدمة تكون مفروضة علينا. سنعرف هذا عندما نشعر به، بالتالي علينا القيام بالتثبيت الذاتي في الخدمة وفق الضرورة، تماماً مثل أي ممارسة يوغية أخرى.

هناك عدة مستويات للخدمة. الخدمة تبدأ في المنزل، في مكان تواجدنا، مع الأشخاص الذين تربطنا بهم علاقة يومية. إنفتاحات كبيرة تأتي من أعمال خدمة صغيرة، عندما نكون جاهزين.

إذا كنا نتوق إلى النمو الداخلي (تنمية البهاكتي) وقمنا بالتأمل العميق اليومي، سنميل تلقائيا للخدمة. لا حاجة لتكبير الأمور. نستطيع البدء بالقيام بأعمال منزلية لا نحب القيام بها في السابق. نستطيع تقبل السلبية فينا وفي الأشخاص من حولنا بالمزيد من اللطف. نستطيع المسامحة التي هي أهم خدمة نقدمها لأي شخص و إلى أنفسنا. إن القلب المستمر بمسامحة كل المشاكل حول العالم، المشاكل البعيدة و القريبة، هو قلب يقوم بخدمة دائمة.

إن الحكماء والقديسين يستمتعون جداً في أعمال الخدمة البسيطة كما في الكبيرة. كله نفس الشيء بالنسبة إلى الشخص الذي أصبح الثبات في الحركة.

إن التحول لا يحصل في ليلة وضحاها. مع استمرارنا في الطريق، راغبين بعلاقة اقرب مع الإلهي في داخلنا، ونقوم بالتأمل العميق والممارسات الروحية الأخرى، سنرى ظهور تدريجي في تعاطفنا مع الآخرين من حولنا. تزايد صغير في كل شهر وكل عام، سنتمكن من مسامحة أنفسنا والآخرين، كما إن تصرفنا سيعلو تدريجياً ليصبح تدفق عفوي.  مع حصول هذا، سنعطي أهمية اقل لردات الفعل الايجابية التي قد تظهر أو لا تظهر نتيجة أعمالنا الايجابية. سنهتم اقل واقل بما يسمى ثمرة أعمالنا.

في ذات الوقت، سنلاحظ أي نتائج سلبية لأعمالنا  بدقة اكبر، فنميل للقيام بالتصحيح الضروري لتقليص النتائج السلبية بالنسبة لنا و لمن حولنا. إن أعمالنا ستصبح وحي وأخلاقية  بشكل متزايد. سنشعر بالعواقب قبل القيام بالأعمال التي تسببها، فنتصرف وفق الحصول على النتيجة الأكثر ايجابية، على الرغم أننا لسنا متعلقين بالنتيجة. مثل عازف البيانو العظيم الذي يسمع كل الحركات الموسيقية من الأولى إلى الأخيرة في كل لحظة يعزف فيها. هكذا أيضا، كل أعمالنا في التدفق الإلهي ستعطي النتائج الأفضل.

في حين إن الحقيقة هي أن  الكارما يوغا  هي العمل من دون التعلق بثمرة العمل، إن الكارما يوغا هي أيضا العمل وفق النتيجة الأكثر تطويراً. إنها عملية طبيعية تحصل في الثبات. مع الوقت تصبح أوتوماتيكية.

هذا النوع من الخدمة يبدأ في الحياة العادية. إذا توسع إلى ميدان أكبر، مؤثرا على العديد من الأشخاص، سيكون الأمر وفق ميولنا الشخصية. الذي نستطيع القيام به في المنزل نستطيع القيام به في أي مكان. إذا كنا نحصل على سمعة كبيرة عند الجمهور ولا نقوم بعمل مماثل في منزلنا، عندها هناك خلل في طريقنا. يُقال إن العمق الحقيقي للحكيم لا يعرف في الحياة العامة، بل في حياته الشخصية.

إن مدى أعمالنا يتأثر بالكارما أيضا. هناك ميول خاصة موجودة لدى كل واحد منا، فنستطيع إتباعها للمنفعة العامة. لا يوجد شيء اسمه كارما “جيدة” أو “سيئة”. هناك فقط التعبير اليوم عن الكارما  في إتباع ميولنا التي ترتقي في هدفها مع تقدمنا على الطريق الروحي، فيتم التعبير عنها بأعمال محددة نقوم بها لإظهار هذه الميول في الحاضر.

بمعنى آخر، إن حالتنا الروحية الحالية تحدد تعبير الكارما التي تخصنا. إذا كنا نميل للقوة لعدم الصبر في الأعمال، عندها يتم التعبير عن عدم الصبر للحصول على أسرع تطور روحي فينا و في الأشخاص من حولنا.  بالطبع قد يصبح الأمر قوي جداً، علينا عندها القيام بالتثبيت الذاتي. لكن، طاقة الكارما التي كانت تؤدي إلى احتكاك مزعج في حياتنا، أصبحت تفيد تقدمنا الروحي مع عوامل البهاكتي والممارسات الروحية. هناك عدة مواقف حيث التجارب السلبية ألهمت أشخاص للقيام بإنجازات عظيمة.

مثل طاقة العواطف، إن الكارما هي طاقة نستطيع أوتوماتيكيا إعادة توجيهها لهدف أعلى. عندها، عواقب الأعمال تصبح أعلى أيضا. إن التقنية الأساسية للبهاكتي – تحويل كل الطاقات لخدمة مثالنا المختار.

الأمر سيحصل في الحياة العادية، في عملنا، في عائلتنا وتعاملنا مع كل شخص قد نصادفه. الأمر قد يكون بسيط جداً، مثل  تواجدنا مع شخص بحاجة للمساعدة. أو قد يكون معقد جداً مثل تنظيم وإدارة برنامج مساعدة كبير جداً على مستوى المؤسسات. مهما كان الأمر، ومهما اخترنا القيام به ضمن هذا السياق إن الصمت الداخلي سيرفع النتيجة بطرق تتخطى إدراك الإنسان. بالتالي، في الكارما اليوغا المتقدمة نصبح قناة صافية للإلهي.

من هذا المنظار، كل حدث نصادفه في الحياة يصبح إنفتاح في صفاء وعي الغبطة. حتى ونحن في حداد بسبب المآسي التي من المؤكد أنها ستصادفنا في الحياة، سنعلم أن الخسارة والشدائد تؤدي إلى إنفتاحات جديدة للحب الإلهي والتحقق الروحي. أفضل طريقة لإحترام الماضي هي بإحترام و عيش الحاضر. مساعدة الأشخاص الموجودين معنا اليوم. هذه البهاكتي و الكارما يوغا في العمل.

إن دور الخدمة في الحياة الروحية هو نتيجة وسبب في ذات الوقت. الخدمة هي نتيجة الصمت الداخلي المتنامي، كما إنها سبب تحول كل الكارما لتأثير ايجابي جداً لتطوير البشرية وكل الوجود الظاهر. هذا هو الهدف الوحيد للكارما. إن تطورنا هو تطور كل الكون. مع قيامنا بالتطهير والإنفتاح في جهازنا العصبي، نتصرف وفقاً لذلك. إنه التفضيل اللطيف للثبات في كل الأعمال. تماماً مثل التفضيل اللطيف للمانترا في التقنية البسيطة للتأمل العميق.

من هنا، كل ما علينا القيام به هو الخروج والقيام بالأعمال اليومية العادية، نتبع رغبة قلبنا، والتعبير لمثالنا المختار. الثبات سيهتم بالباقي.

المعلم في داخلك.

« »