الدرس 327- مراحل تطور الفكر

From: Yogani

Date: May 3, 2009

للأعضاء الجدد: من المفضل قرأة الدروس من البداية، لأنها ضروريةٌ لفهم الدروس الحالية بشكل صحيح. أول درس هو “الهدف وراء هذا الحديث.”

كما شرحنا في الدرس السابق، هناك عدة أنواع من البحث عن الذات تجسد عدة مناهج

من الممارسة. كل نوع يشدد على ناحية معينة ويملك فلسفته الخاصة، مصطلحاته وخصائصه الفكرية.

تلك الأنواع قد تختلف كلياً، من وصف انخراط كامل، مدرك ودقيق لكل تفاصيل تماثل الوعي

مع الأشياء التي ندركها (يسمى هذا أحيانا الذهن المتنبه) وصولا إلى تسليم

كامل في كل شؤون الحياة لدرجة التوقف عن البحث عن الحقيقة. مهما كان المنهج

المتبع، إنه سيعكس دائماً التجربة الخاصة للمعلم الذي ينقل المعرفة. سيكون هناك

انحياز، بالتالي إن التعاليم قد تلقى أولاً صدى عند التلاميذ الذي يأتون

لدرس هذا النهج. الأمر يعود للتلميذ في إيجاد تعاليم تلقى صدى في داخله.

كل أنواع البحث عن الذات تملك أمراً واحداً مشتركاً-  إنها تريد تذويب تماثل الوعي

مع الأشياء التي يتم إدراكها من ضمنها كل الأفكار، المشاعر، والأشياء في

العالم. إن هدف البحث عن الذات هو التخلص من عبودية ” أنا / ملكي) التي ينتجها

الفكر.

كل واحد منا هو في مرحلة مختلفة من الجهوزية للقيام بفك قيد الأنا. في

الحقيقة، إن البحث عن الذات لن يعني لنا شيئاً إلا في حال ذقنا سلام الصمت

الداخلي فينا. عندها نعلم إن هناك شيء أكثر فينا وأهم من كل الدعائم المتعددة

التي نستعملها لخلق هوية لنا في العالم-  تلك الهوية التي نعلم أنها ستنتهي مع

اضمحلال وموت الجسد. ما إن نلمح  العامل الأزلي الموجود فينا، تصبح اللعبة

مختلفة تماماً. هناك شيء أكثر من الأنا المحدودة والجشعة. لندرك هذا علينا

القيام برحلة تشمل القلب، الفكر والجسد. لا ينفع شيء أقل من هذا.

إن الزمن قد تغير. الآن التعاليم الروحية تخدم الناس بدل من العكس. للقيام

بذلك، يجب أن تكون التعاليم منفتحة، مرنة وأهم شيء فعالة. لتكون فعالة، تلك

التعاليم يجب أن تتمكن من أن تساعد كل تلميذ مهما كان مستوى جهوزيته. إذا

كان التلميذ يرغب بالنمو الروحي ومستعد للالتزام ، الانضباط  وتخصيص وقت

للممارسة، عندها التعاليم يجب أن تتمكن من تقديم وسائل حيوية لهذا الهدف وإلا

تكون تلك التعاليم بحاجة للتحسين. لا بأس بذلك. إذا التعاليم مرنة، ستخدم

الناس وفق مستواهم، من ثم تتطور أيضاً مع تطور الناس.

إن البحث عن الذات بالتحديد هو صعب التطبيق على المستويات المختلفة للتلاميذ.

في حالة الممارسات اليوغية المتقدمة، نبدأ بالتأمل العميق اليومي الذي ينمي

الصمت الداخلي. نستطيع إضافة وسائل يوغية أخرى حسب الحاجة. كما إننا بحاجة

لمعرفة أساسيات البحث عن الذات.

أولا، من الجيد أن نعلم إن في طبيعتنا الأساسية هي صفاء وعي الغبطة الغير

محدود. كما أن كل ما نقوم به في الممارسات سيكشف ما نحن عليه بالفعل في

حياتنا اليومية. من الجيد أن نعلم أيضا أن كل هذا سيعطي الكثير من المنافع

العملية، إذاً إن سلك الطريق الروحي هو مسعى جدير.

بالتالي، من الجيد أن نعلم أيضا أنه هناك تقدم طبيعي في تفتحنا الروحي. هذا

يحصل مع الوقت، عادة على فترة طويلة، بإستثناء الحالات النادرة لبعض الأشخاص

الذي يولدون على مقربة من التنور. بالرغم مما قد نكون قد سمعناه، إن التنور

عند معظم الناس  ليس حدث يحصل بين ليلة وضحاها. ليس هناك من مهرب، لأن كل واحد

منا يجب أن يمر بعملية من التطهر والإنفتاح الداخلي، وهذا يأخذ وقت حتى مع

أفضل التعاليم.

أثناء هذه الطريق، هناك درجات ومراحل والرحلة  أبداً لا تنتهي حتى بالنسبة

للأشخاص المتقدمين جداً. ربما بالأخص بالنسبة لهم، أنهم يصبحون واعين أكثر

بكثير للحاجة الأكبر للصمت الداخلي في المجتمع، العالم و فيما يتعدى ذلك.

فيجدون أنفسهم في مقدمة هذا السعي العظيم. كلنا نساعد وفق مقدرتنا، والمتنور

يستطيع أن يساعد أكثر بكثير. كلما نستطيع أن نقوم بأكثر، كلما سيتم نداؤنا

للقيام بذلك.

بالنسبة للفرد، هناك تقدم مكون من ممارسات مندمجة، مرسومة خطوة خطوة في هذه

الدروس من أجل تنمية التطهر والإنفتاح الضروري. في البحث عن الذات أيضاً هناك

تقدم. هذا لا يعني أن كل شخص يجب أن يمر بتطور في طرق البحث عن الذات. قد لا

نستعمل بتاتاً أي طريقة منهجية في البحث عن الذات، وعلى الرغم من ذلك نكون

نقوم بعملية البحث عن الذات المبنية على الظهور الطبيعي للصمت الداخلي وعلى

تزايد الإدراك الواضح للذات (الشاهد) وعلاقته بالأشياء المختبرة.

بغض النظر عن طرق البحث عن الذات المنهجية، أو الغير منهجية، ستتطور بعض

المراحل الواضحة  للفكر. معرفة تلك المراحل يوفر الوقت والضياع خصوصا بالنسبة

للذين يميلون للبدء بالممارسة من آخرها بدلاً من بدايتها ووسطها. إن البداية و

الوسط تكفيانا تماما مثل النهاية إذا كنا مدركين تماماً موقعنا في رحلتنا

الروحية الشخصية. ليس من الضروري أن يكون الأمر غامض. مع بعض المعرفة

الأساسية سنقوم بعمل جيد  ولا نتعرض لمخاطر القيام بخطوات عمياء سببها فكرنا

المتحمس فوق اللزوم ( في الدرس القادم سنتكلم أكثر عن “متطلبات الفكر)

إفتراضاًً أننا نقوم بالتأمل العميق اليومي، هناك خمسة مراحل يمر بها الفكر في

البحث عن الذات أثناء تقدمنا على الطريق الروحي:

1- مرحلة ما قبل الشاهد – جمع معلومات تلهمنا  والقيام  بتقديرات فكرية عن

ماهية الحقيقية. لكن هناك  ميل إلى العيش في الأحلام لأنها أفكار تتفاعل مع

أفكار، أي البحث عن الذات من دون صلة.  لهذا نقوم بما هو ضروري لتنمية الشاهد.

(التأمل العميق)

2-الشاهد-  ندرك العالم، أفكارنا ومشاعرنا كأشياء منفصلة عن الذات. إنها بداية

البحث عن الذات مع صلة، مع أو من دون اختيارنا.

3- التمييز-  عكس التماثل بواسطة خيارات منطقية تستند على الإدراك المباشر

المتجذر في الثبات. هذا نوع أكثر تقدماً من البحث عن الذات مع صلة حيث نميز ما

بين الحقيقي و الغير حقيقي.

4-التجرد-  ظهور حالة من عدم المحاكمة وعدم التعلق. إن عملية البحث عن الذات

تصبح أتوماتيكية لدرجة أن كل الأشياء من ضمنها البحث عن الذات تذوب باستمرار

في الشاهد.

5-التوحيد-  إندماج الشيء  والشاهد: ” أنا هو هذا. أنت هو هذا. كل هذا هو هذا”

كما يحصل تدفق حب إلهي مستمر ومساعدة الآخرين لأنهم الذات الكونية.

في حين إن التقدم على طريق النور قد يتضمن بعض الأخطاء، الصعوبة أو ينعدم عند

ممارسة البحث عن الذات كممارسة وحيدة لا غير، الأمر يختلف تماما عندما يتم

استعمال البحث عن الذات مع طريق يعتمد على دمج مجموعة من الطرق اليوغية

المختبرة والفعالة.

إن تنمية الصمت الداخلي (الشاهد) في التأمل العميق يضمن أن إدراكنا سيتوسع من

داخلنا مع الوقت، مما يؤمن حقل خصب لحصول عملية البحث عن الذات. الأمر ذاته

يحصل مع ممارسة السامياما كل يوم، تلك الممارسة تنمي مقدرتنا على التسليم في

الثبات وعلى العيش أكثر في مستوى صمتنا الداخلي الراسخ.

مع حصول التطهر والانفتاح فينا، ستتغير طرقنا في البحث عن الذات وتتحسن مع

الوقت مع انتقالنا من مرحلة ما قبل الشاهد إلى مرحلة الشاهد، التمييز، التجرد

والتوحيد.

إن الظهور المنتظم للصمت الداخلي ومقدرتنا على إطلاق نوايانا وإدراكاتنا فيه،

تشكل الديناميكية التي تخلق التقدم في البحث عن الذات الذي يتحول من دون صلة

إلى مع صلة لحين يتحد المختبر والإختبار فيصبحان واحد، مكتفي ذاتياً، نشيط في

العالم الخارجي وحر من قيد التماثل و العذاب.

مرحلة ما قبل الشاهد

ما جدوى البحث عن الذات من النوع المطلق (لا ثنائية) عندما نكون ما زلنا في

مرحلة الفكر المسماة ما قبل الشاهد؟ في هذه المرحلة ما زالت كل الأشياء على

مستوى الفكر والمنطق. في هذه المرحلة، ما تعني لنا العبارة التالية عندما

نسمعها “كل ما تراه هنا في هذا العالم هو وهم وأنت الحقيقة وراء كل هذا

الوهم.”

قد نشعر ببعض الإلهام قد تشتعل رغبة لمعرفة المزيد وأن نكون أكثر مما نحن

عليه الآن. على أمل أن تشتعل تلك الرغبة. لكن كلما فكرنا بالموضوع أكثر، كلما

خلفنا المزيد من الطبقات حول هذه الرغبة الضرورية لمعرفة الحقيقة. كم من مرة

علينا تكرار السؤال “من أنا؟ّ” قبل أن نحصل على لمحة عن ماهيتنا الفعلية؟ كم

كتاب علينا قرأته؟ لهذا السبب نسمي مرحلة ما قبل الشاهد مرحلة الإلهام وبناء

القصور في الهواء.

لا نستطيع فعل أكثر من ذلك لحين الإنتقال إلى المرحلة الثانية. مع الإلهام

المناسب، سنجبر على إتخاذ تدابير تتخطى قصف الفكرة ضد اللامتناهي  بواسطة

عقلنا الصغير! إن الفكر فقط يستطيع الدوران في حلقات فارغة لفترة طويلة جداً

إلى أن ندرك أن علينا إضافة شيء آخر إلى الخلطة.

عندما نشعر بالإلهام لكشف الحقيقية، من المهم أن نقوم بالتدابير، التدابير

الذكية. إن المتشددين في البحث عن الذات يقولون،  “لا تقوم بأي تدبير. لا تفعل

شيئا .فقط كون!” حسنا، نستطيع فعل ذلك لفترة طويلة جداً في مرحلة ما قبل

الشاهد. من دون شك نستطيع تنمية الشاهد من خلال العمل فقط على “أن نكون.” لكن،

هناك طريقة أسرع بكثير.

إذا التزمنا بأخذ التدابير من خلال استعمال كل الأدوات المتوفرة لنا، نستطيع

السفر بسرعة كبيرة على طريق تحقيق ماهيتنا التي نحن هي منذ الآن-  ذاتنا الداخلية.

مع التأمل العميق وبطارية ممتلئة مؤلفة من ممارسات داعمة، من المؤكد أننا

سنتقدم نحو مرحلة الشاهد.

الشاهد

كما ذكرنا في السابق، إن مرحلة الشاهد هي لعبة مختلفة تماماً. علينا القول أن

هناك عدة أنواع من الشاهد. هناك سلسلة من التطور مع ظهور الشاهد. يبدأ على شكل

حالة داخلية غير فعالة/ سلبية فنرى حالنا منفصلين عن الأحداث التي تحصل من

حولنا. كلنا اختبرنا الشعور بتوقف الزمن عند حصول حادث دراماتيكي مثل تحطم

سيارة، انفجار أو أي تحول مفاجئ في محيطنا المادي. عندما يبدأ الشاهد بالظهور،

تدريجياً نختبر الأحداث العادية هكذا أيضا وبشكل متزايد. مع تقدم الشاهد، إن

جسدنا، أفكارنا ومشاعرنا تصبح أشياء ندركها منفصلة عن إحساسنا بالذات،

شاهدنا. هذا تطور مهم.

قبل أن يتطور الشاهد لدرجة إن أفكارنا ومشاعرنا تصبح أشياء ندركها، البحث عن

الذات يبقى من دون صلة أي ليس متصلا تماما بماهيتنا-  الوعي الصافي. إن ظهور

الشاهد هو بداية المرحلة الحقيقية  للبحث عن الذات و التغيير المستمر في

تجربتنا الحياتية. كما أن الاختبار المباشر يتخطى كل اختبار. في الحالة

الأولية للشاهد، نحن نختبر لكننا لسنا الاختبار. نحن ابعد من الاختبار، نراه

من منظور الوعي الصافي المنفصل.

هناك بعض الخطوات الإضافية أبعد من ظهور الشاهد والتي يجب أن نمر بها. لا يكفي

أن نكون راسخين بقوة في الصمت الداخلي، وأن نرى العالم المتغير كشيء منفصل

عنا. علينا القيام بعمل لتحسين هذا العالم ودفعه إلى التقدم. إن التطور يجبرنا

على  القيام بذلك. مع وكزة صغيرة، الأمر يحصل تلقائياً. هنا يبدأ التأثير القوي

للبحث عن الذات على طريقنا للتنور ككل، لأننا قادرون على القيام بإختيارات

واعية معتمدة على الثبات، نرى أفكارنا، مشاعرنا وإدراكاتنا للعالم على

حقيقتها كما هي، من دون أن نتماثل معها كليا. عندها نستطيع العمل بطريقة

تحررنا بدلاً من أن تقيدنا، على حد سواء لأنفسنا وللآخرين.

إن الممارسات اليوغية الأخرى تساعد هذه العملية مثل سامياما، براناياما التنفس

السنسلي وممارسات إضافية  تنمي حركة النشوة  )يقظة الكونداليني(  في الجسد. مع

ترسخنا أكثر في كل من الصمت الداخلي وحركة النشوة نختبر صقل في الإدراك و

تحرك الثبات الديناميكي في عملياتنا الفكرية. هذه التطورات تؤدي إلى تزايد

فعالية البحث عن الذات مع صلة.

التمييز

عندما نفكر بالتمييز، التفسير العادي هو أننا نختار ما بين هذا الشيء أو ذلك،

ما بين هذه الفكرة أو تلك. إن البحث عن الذات من دون صلة هو هكذا، أي الاختيار

ما بين الأشياء، الأفكار والطرق التي نرغب بها أن تكون عليها حياتنا. هذا

النوع من التمييز دائري، لا يصل إلى أي مكان بسرعة، وقد لا يصل إلى أي مكان

على فترة طويلة. حتى إختيار عدم التفكير هو خطوة هائلة عندما نتخذها من دون

صلة، من دون الشاهد الموجود ليدعم المسعى الذي نقوم به.

مع ظهور الشاهد، كل ديناميكية البحث عن الذات تتغير. عندها نحن نختار ما بين

الأشياء (الأشياء الخارجية، الأفكار، العواطف) و بين الفاعل (الشاهد-  الذات).

وهذا النوع من الاختيار ليس فعل بتاتاً. إنه تسليم. استسلام حتى ونحن نشيطين

في العالم.

كلنا نعلم ما نريد. نريد أن نعلم الحقيقة. نريد أن نكون سعداء. نريد أن نكون

أحرار. منذ طفولتنا يقال لنا إن الحقيقة ستجعلنا أحرار من متاعب هذه الحياة.

لذا نريد هذا.

عندما يصبح الشاهد راسخ أكثر وأكثر ويراقب بصمت كل فكرة و عاطفة، عندها نعلم

أننا هذا، لا ينهز ومستقل عن كل تجاربنا من ضمنها أفكارنا….عندها نحن أخيراً

في موقع القيام بخيارات تفك تماثلنا المعتاد مع التجارب والحلم الذي كنا نعيشه

إلى الآن.

إنه منظور جديد، من خلاله نستطيع بوضوح رؤية ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي.

إن الإدراك الأزلي والغير أزلي عملية بسيطة وعميقة. بالتالي نستطيع التمييز وفقا

لذلك، والقيام بخيارات منطقية مبنية على الثبات فيتم فك العادة القائمة للفكر

في التماثل مع الأشياء التي يتم اختبارها في خارجنا وفي داخلنا.

في مصطلحات الأدفايتا  )عدم الثنائية(  يسمى هذا المنظور نيتي نيتي أي  ليس هذا

وليس ذاك. عندما يصبح الشاهد حاضر بشكل كافي لحصول البحث عن الذات مع صلة في

مرحلة التمييز، عندها تصبح النيتي نيتي واقع أي إننا ندرك مباشرة ما هو حقيقي و

ما هو غير حقيقي ونستطيع الإختيار بسهولة. قبل ذلك الحين، نيتي نيتي مجرد

تمرين عقلي ويكون غير فعال ومتعب مثل البحث عن الذات من دون صلة. سنعلم أن

الشاهد قد أشرق بشكل جدي عندما يصبح التمييز أمرا أسهل. إنه علامة منبهة.

بعض من الحماس يأتي مع هذا الإدراك إننا وصلنا إلى النقطة حيث نملك المقدرة

على القيام بالإختيار اليقين ما بين الحقيقي والغير حقيقي. قد يكون هناك أيضا

حماس لدرجة إلغاء أي شيء آخر، وعلينا الحذر من التخلي عن ممارساتنا التي

أوصلتنا إلى هذه النقطة. قد نميل إلى زرع علم لنا يرفرف على مفهوم أننا هذا،

وان نحملق في فكرة أن كل ما هو علينا القيام به الآن هو التمسك بهذا.

إذا حصل ذلك، قد ننزلق عن جديد في البحث عن الذات من دون صلة. قد يحصل هذا

للممارسين المتقدمين. من الأفضل جداً أن نتابع ممارساتنا التي أوصلتنا إلى هذه

النقطة وان نقوي وجود الشاهد فيما يتعدى كل الميول التي قد نملكها والتي تقول

أننا وصلنا إلى شيء. حتى الممارسين الأكثر تقدما يجب أن ينتبهوا من الوقع في

البحث عن الذات من دون صلة.

من المؤكد أننا نقوم بقفزات كبيرة نحو التنور عندما نصبح قادرين على التمييز

بوضوح ما بين الأشياء  )الخارجية والداخلية) و الفاعل (الشاهد- ذاتنا.) إنها

المرحلة الفعالة القصوى للبحث عن الذات. لكنها ليست الشيء الوحيد الذي يحصل،

على افتراض أننا حكماء وتابعنا روتيننا اليومي من الممارسات اليوغية. إن دمج

كل الوسائل يؤمن تقدمنا السريع على الطريق الروحي.

إن البحث عن الذات فعال لكن لا نستطيع الوثوق به لوحده. بالتأكيد لا نستطيع

الوثوق به في مرحلة التمييز أو أي مرحلة سابقة للتمييز.

سيأتي وقت حيث سيحل شيء آخر مكان التمييز. إنه التخلص من حاجة القيام بخيارات

بعد الآن. الفاعل (الشاهد) أصبح مرسخ جداً لدرجة انعدام الحاجة للقيام

بخيارات. نحن وجود، فنسمح في حصول كل شيء في حقل وعينا حتى ونحن نتفاعل في

حياتنا اليومية بشكل طبيعي. نسمي هذه المرحلة بالتجرد. إنها مرحلة عدم التكدر

من أي شيء يحصل في داخلنا أو في خارجنا.

التجرد

إن حالة التجرد هي واحدة من الأهداف الأساسية للبحث عن الذات. إن الأشخاص

المتحمسين والمكرسين  جداً للبحث عن الذات يملكون شغف لا يناسب تنمية هذا

التجرد. هذا بالطبع البحث عن الذات من دون صلة. لكن علينا أن نبدأ من مكان ما.

لا نستطيع البدء من النهاية على الرغم أننا قد نشعر بالشغف لمثالنا الذي

اخترناه والذي يخدم هدف محدد. إنها البهاكتي (الإخلاص للمثال الذي نختاره)

التجرد لا يتضمن أي فعل ويتخطى حتى البحث عن الذات. إنه ليس حتى تسليم، لأنه

يتخطى الاختيار. التجرد هو حالة من الوجود. إنه الفاعل  )الشاهد- الذات(  التي

تطور من خلال ممارسات مندمجة لدرجة حيث كل الأشياء المختبرة تؤخذ معا من دون

تردد، من دون تماثل. هذا ينطبق على الأحداث، العلاقات وكل ما يحصل في الجسد،

القلب والفكر.

هل التجرد حالة من عدم الاكتراث ؟ هل تعني أننا لا نتصرف أو لا نتفاعل مع

العالم؟ كلا. إنه نقيض ذلك تماما. الكثير من التطور الروحي يتضمن بعض التناقض، حيث إن القليل يصبح كثير.

إن الظهور التدريجي للتجرد يعني أننا أصبحنا أكثر حرية للتصرف لمصلحة الجميع.

الصمت الداخلي سيتحرك للقيام بذلك من خلالنا بشكل متزايد كلما تقدمنا على

الطريق الروحي. إنه تناقض التنور. كلما تقدمنا في الطريق، كلما أصبحنا أنشط في

خدمة الآخرين. هذه هي طبيعة الوعي الإلهي.

علينا أن نعترف بفضل التأمل العميق علينا. إن التأمل العميق (إذا كنا نقوم به)

هو الذي ينمي بشكل أساسي التجرد، لأن التجرد هو مرحلة متقدمة من الشاهد. إن

ممارسة البحث عن الذات لوحده قد يوصل إلى التجرد، لكن هذا نادر جداً. للنجاح، إن

البحث عن الذات يجب أن يصعد إلى مستوى التأمل، تخطي كل الأشياء التي تظهر في

الانتباه.

إذا مارسنا التأمل العميق بهذا الشكل، مع الوقت سيشرق الشاهد، ومع المزيد من

الوقت سيحصل التجرد. إنه طريق صعب لأنه لا يتضمن أي منهج أو أي روتين ممارسة

فعال .إن مفهوم الممارسة غير موجود. ممارسة البحث عن الذات لوحده يعني إطلاق

كل الأشياء التي يتم إدراكها، من ضمنها الأفكار، المشاعر، الإدراك الحسي

للأشياء الخارجية. عندما يصبح البحث عن الذات عادة متجذرة بعمق، عندها سيصبح

نوع من الـتأمل المستمر. كيف هذا المنهج يتناسب مع الحياة اليومية؟ هذا موضوع آخر،

لأنه يتطلب بحث عن الذات بشكل مستمر، فيدخل في كل ركن وزاوية من حياتنا

اليومية. هذا قد لا يكون أمراً عمليا لشخص عنده عائلة و مهنة. قد يحصل تضارب

خصوصا قبل إشراق الشاهد.

من ناحية أخرى، إذا قمنا بالتأمل العميق وممارسات جلوس أخرى بطريقة منظمة

مرتين يوميا، وعشنا حياتنا بطريقة طبيعية، فإن الشاهد سيظهر تلقائيا كدعم

للعائلة و للمهنة وكدعم للقيام بالمزيد من البحث عن الذات بأسلوب لا يتعارض مع

التدفق الطبيعي للحياة. إن التأمل العميق يؤمن الشاهد، والبحث عن الذات يؤمن

المنظار بأسلوب لا يحل مكان الحياة والأنشطة اليومية بل يحفزها.

التجرد يحصل في المنزل، السوق كما في العزلة في مكان بعيد. كل ذلك هو نفس

الشيء. إن دمج التأمل العميق اليومي والبحث عن الذات الذي يظهر تدريجيا يعطيان

ليونة في الحياة، كما إنه طريق أسرع بكثير.

التوحيد

لا احد يعلم الطبيعة الحقيقية للوجود خارج حدود الزمان والمكان. لكن، من

الغريب أننا نستطيع إختبارها مباشرة. السبب الذي يدفعنا للقول  “لا نستطيع أن

نعرف”  هو أن الحقيقة التي كلنا نستطيع إختبارها بواسطة التأمل العميق والبحث

عن الذات هي خارج ميدان المعرفة. إنها هذه، ولقد كتبت الآلاف من الكتب لمحاولة

وصف هذا.

في النهاية، أفضل ما نستطيع قوله هو  “أن هذا”. من ثم نستطيع الاستمرار في

الوصف المتعدد لهذا-  صفاء وعي الغبطة، الفراغ، تاو، الله…. لا يهم الاسم. هذا كلمة جيدة مثل أي كلمة أخرى ونحن هذا. كل ما هو موجود هو هذا.

إذا بدا الأمر إنه غير شخصي، فهذا غير مقصود. إن هذا هو مصدر كل الحب،

التعاطف، الطيبة، الإبداع والسعادة في العالم. هذا ينورنا بالصفات الإلهية، وهو

مصدر كل الأعمال الجيدة.

هناك سوء فهم تكرر عند بعض المعلمين-  المقولة أن نصبح هذا هو الشيء الوحيد

المهم في الحياة والباقي كله لا معنى له. وفق هذه المقولة، لا شيء على هذه

الأرض موجود. بالمعنى الفلسفي هذا صحيح. كما أننا تعلمناه في صف الفيزياء

الكمية في المدرسة الثانوية، أليس كذلك؟ لكن، على مستوى الفكر، هذا واحد من

أكبر أفخاخ البحث عن الذات من دون صلة.

تلك المقولة تقول أنه لا يهم بتاتا ما يحصل لهذه الأرض ولتنوع الحياة الموجود

فيها. هناك فرق ما بين الشخص المتنور بالفعل والشخص الذي يخلق انقسام ما بينه وبقية

العالم بواسطة البحث عن الذات من دون صلة المفروض من وجهة نظر فكرية جامدة. إن

البحث عن الذات مع صلة واضح ويعتمد على الثبات، بالتالي يرفض تلك المقولة

تماما، نيتي نيتي!

إن الشخص المتنور هو الذي يبقى منخرط في العالم لمصلحة الجميع الذين هم هذا.

إن التقدم على طريق التنور، يجلب معه الإدراك إننا لا نكون أحرار إلا عندما

يصبح الجميع أحرار، لأننا واحد مع كل الذين يتعذبون.

إن صورة الحكيم الذي يعيش لوحده في قمة الجبل، من دون أي اكتراث للعالم أمر من

نسج الخيال. إذا لم ينخرط الحكيم بطريقة ما لمصلحة الآخرين، فهناك شك في صحة

تنوره. التنور الحقيقي هو التدفق العفوي للحب الإلهي الذي يعمل باستمرار

لمساعدة الجميع. إن الحكيم يصبح قناة مفتوحة ومستعدة دوماً لهذا، الذي لا يقوم

بأي شيء على الرغم انه يقوم بكل شيء.

إذاً، في حين ينظر إلى اليوغا والبحث عن الذات على إنهما تخطي لكل شيء من دون

عودة، الحقيقة هي إنهما عكس ذلك تماما. لا نستطيع أبداً ترك ما هو موجود الآن

وهنا. إنه ماهيتنا في ذاتنا. إن رحلة اليوغا والبحث عن الذات هي رحلة تخطي لكل

ما هو موجود الآن، من ثم العودة إليه والانخراط به  بشكل كامل لتحسين وضع كل

البشرية-  إنها رحلة من هنا إلى هنا. إنها المعرفة المطلقة، وأعلى تجل لها في

العالم.

“أنا هذا. أنت هذا. كل هذا هو هذا”.

إنه تدفق حب إلهي لا ينتهي  وطبيعته الأساسية و ذروة نتيجته هي الحياة في كل

مكان والمقيمة  في التوحيد. لطالما كان هذا، وسيبقى دائما هذا. الشاهد والبحث

عن الذات يوصلان إلى الإدراك المباشر لهذا.

المعلم في داخلك.

« »