الدرس 326- أنواع البحث عن الذات و العبور فوق الفجوة

From: Yogani
Date: April 30, 2009

للأعضاء الجدد: من المفضل قرأة الدروس من البداية، لأنها ضروريةٌ لفهم الدروس الحالية بشكل صحيح. أول درس هو “الهدف وراء هذا الحديث“.

إنها مفارقة أن نتكلم عن أنواع من البحث عن الذات، رغم أنه في النهاية هناك أمر واحد فقط يحصل – تماثل وعينا العفوي والغير مشروط مع الأشياء التي نختبرها على شكل أفكار، مشاعر وإدراك للعالم في داخلنا ومن حولنا. لكن، هناك بالفعل أنواع متعددة للبحث عن الذات لأن هناك عدة أساليب يستطيع الفكر أن يوقعنا فيها بالشرك أي في اختبار الفرد المنفصل.

البحث عن الذات قد يكون سهل جداً مثل طرح السؤال التالي: ” من أنا؟” ومن ثم تسليمه للثبات. إذا كنا صادقين بهذا الأمر، عندها ومع الوقت سوف تظهر الحقيقة. إنها عملية بسيطة. من ناحية أخرى، قد تكون عملية معقدة من خلال التشريح المتواصل لتعابير فكرنا التي لا تنتهي والتي تحصل في حياتنا اليومية، فنراقب عدم حقيقة تلك الروايات التي تنسج بشكل مستمر لخلق هوية لنا في العالم المحدود بالزمان والمكان. هل كل تلك الأمور هي حقيقة ماهيتنا؟

مهما كان المنهج المتبع، بسيط أو معقد، الأمر دائماً ينحصر في النهاية في شيء واحد: هل نحن واعيين؟ هل نحن واعيين ونشاهد ما يحصل من الوراء وفيما يتعدى تلك الهياكل الفكرية المخلوقة في هذه اللحظة؟ إذاً كنا كذلك، ولو قليلا، سنكون راسخين في الحاضر، فنشع سعادة عفوية بدل من الضياع في ماضي أو مستقبل كلٍ منهما من نسج الخيال. إذا لم نكن كذلك، عندها دوامة حياتنا الصعبة والمعتادة ستتكرر دائماً بسبب تماثلنا مع ما ينسجه الفكر بالتالي نخسر السلام المتوفر لنا بشكل دائم  ومستمر الآن في اللحظة الحالية. لنكون في الحاضر، يجب أن نكون لا احد والجميع في ذات الوقت. الفكر فقط يعرف كيفية بناء المزيد والمزيد من الهياكل ومن الروايات من حولها، فنضيع في وهم الزمن من جديد. لكن نستطيع تخطي الفكر فنحوله من سيد إلى خادم. الحقيقية ستسيطر. لنتذكر ذلك ولنضع قائمة بأنواع البحث عن الذات لنكتشف كيف تستطيع أن تساعدنا في كشف الأشياء والحصول على إدراك مستمر لماهيتنا في الحاضر.

1- الإستفسارات

الاستفسارات القصوى مثل: من أنا؟ ماذا افعل هنا؟

الاستفسارات العملية مثل: هل روايتي حقيقية؟ هل ردود فعلي حقيقية؟

2- التأكيدات

تأكيدات قصوى مثل: أنا هذا. أنت هذا. كل شيء هو هذا.

تأكيدات عملية مثل: الله معي. سأتخطى هذه الأزمة..

3- التمييزات

التمييزات القصوى مثل: لا شيء حقيقي. الأنا هي غير صحيحة. كل شيء هو فراغ واعي.

التمييزات العملية مثل: هذه الحادثة أو هذا الشيء ليس حقيقي. لا هذا ولا ذاك (نيتي نيتي)
4- السماح

السماح بحصول عدم الراحة القصوى مثل: الشعور بألم العالم من دون أي رأي أو حكم
السماح بعدم راحة جزئية مثل الشعور بالألم في جسدي/ الفكر من دون رأي أو حكم

5- التمتع (من دون تعلق)
التمتع الأقصى مثل الشعور بوحدة كل شيء والتسليم في هذا

التمتع الجزئي مثل الشعور بغبطة النشوة في الحدس. التمتع بالمحبة المتدفقة من القلب.

سنذكر المزيد من الأمثال والاحتمالات، لكنك فهمت الفكرة. هنالك العديد من الكتب الموجودة عن أنواع البحث عن الذات. هناك عدة مناهج نظراً لتعدد المعلمين والممارسين الروحيين. من دون شك إنك تعلم بعض تلك التقنيات التي ذكرناها وقد تكون مارست البعض منها. من بعد فترة من الإلهام قد تكون شعرت بالإحباط أليس كذلك؟ أو قد تفكر إن تلك التقنية مفيدة الآن لكن ربما لاحقاً الفكر سيلعب من جديد؟

السؤال هو: من هو الذي يقوم بهذه الأنواع من البحث عن الذات؟  إذا كان جوابنا هو: غسان هو الذي يقوم بالبحث، عندها يكون البحث عن الذات من دون صلة (لا يعتمد على الشاهد) بالتالي نراوح مكاننا – أي الفكر يبحث عن الفكر. إذا كان جوابنا هو أن هذا الرجل، المرأة، اللحام، الخباز أو صانع الشموع يقوم بالبحث عن الذات، عندها نشعر بالإحباط. سيكون هناك فجوة.
فإذاً، من يستطيع أن يتبع تلك التقنيات ويستفيد منها بطريقة عملية؟ فقط الشاهد، الوعي الغير مشروط الذي يتخطى كل التسميات. المختبر الذي يتعدى كل التعريفات لماهيتنا. الوعي الغير مشروط. الصمت الداخلي الراسخ. الشاهد.

يُقال أن البحث عن الذات يؤدي إلى الشاهد. بمجرد أن نراقب تماثل الوعي بالفكر “كذات حقيقية” سيؤدي إلى ظهور الشاهد. ربما، لكن لو كان الأمر بهذه البساطة لما كنا نرى كل هذا الجهل والعذاب في العالم. أليس كذلك؟ كثيرون يريدون تخطي كل ذلك. من الواضح أن الفجوة ما زالت مستمرة. هناك شيء ما يقف عقبة ما بين البحث عن الذات مع صلة والبحث عن الذات من دون صلة. إنها عادة متجذرة جداً في أعماقنا، لا يلاحظها تفكيرنا الواعي – إنه الميل الخفي للفكر لخلق الإنفصال في كل شيء يقوم به، من ضمنه ممارسة البحث عن الذات. نسمي هذا الميل العقبة المتجذرة/ التلوث في جهازنا العصبي. فإذاً، كيف نتخطى مراوحة مكاننا في البحث عن الذات؟ كيف نتخطى مراوحة مكاننا في التأكيدات؟ كيف نتخطى مراوحة مكاننا في التمييزات، في السماح وفي التمتع؟ كيف نتخطى مراوحة مكاننا في العادات المختلفة للفكر اللاواعي؟

هل هذا يعني أنه علينا المثابرة في التأمل العميق اليومي؟ نعم هذا صحيح. لقد قلنا ذلك مراراً وتكراراً في الدروس السابقة، إن البحث عن الذات مع صلة لا يتم من دون ممارسة التأمل العميق أولاً. فإذاً، عليك تنمية الصمت الداخلي الراسخ (الشاهد) يومياً عبر التأمل العميق. من ثم ماذا؟ كيف سنعلم أننا جاهزين للقيام بالبعض من البحث عن الذات بشكل فعال؟ كيف نبدأ بتضيق الفجوة؟

من المثير للإهتمام أن كيفية شعورنا أثناء البحث عن الذات يدل على كمية العمل التي علينا القيام بها لتنمية الشاهد من خلال وسائل أخرى. عندما يصبح عندنا القليل من الصمت الداخلي الراسخ (الشاهد)، سنلاحظ أننا نميل تلقائياً للقيام بالبحث عن الذات. سيصبح البحث عن الذات أسهل والحياة ستتحسن. إن نوع  أو أنواع البحث عن الذات التي نختارها ستكون وفق ما نفضله وهذا يتأثر بأسلوب حياتنا. إن حياتنا اليومية هي التي تحدد مكان حصول البحث، التأكيدات، التمييزات إلخ.. إن الإحتمالات لا تنتهي، لكن المبادئ الأساسية هي ذاتها. فإذاً إهتم بالأساسيات والباقي سيتبع تلقائياً.

إحدى أول الأماكن حيث سنلاحظ مقدرتنا على البحث بفعالية هو تفاعلنا مع الأحاسيس التي تظهر في جسدنا. بسبب العلاقة ما بين الفكر/ الجسد، كل التفكير والشعور ينعكس في جسدنا. هذا نختبره مباشرة على شكل أحاسيس، في بعض الحالات هذا واضح جداً. من المؤكد أننا نعرف شخصاً قد إستمر في القلق لحين ما شعر بالمرض.

إن الأمور الأقل وضوحاً هي الإنزعاج الجسدي والعاطفي الذي نختبره يومياً كنتيجة للتفكير الأناني المختل. إذا استطعنا أن نشعر بتلك الأحاسيس من دون أن نحكم عليها، تماماً مثل الشاهد، عندها نختبر إسترخاء وشعور بالإنفراج. ليس فقط تختفي العلامات، بل أيضاً الخلل المسبب لها سيتحلل تدريجياً مع الإستعمال المتكرر لتلك الأنواع من البحث عن الذات. هذا هو البحث عن الذات من نوع “السماح”. إنه رائج جداً حالياً بسبب فعاليته المتزايدة مع ظهور الوعي حول العالم وفي الأفراد. إنها واحدة من أسهل التقنيات للإستفادة من ظهور الشاهد في الحياة اليومية.

في الواقع لقد مارسنا هذا النوع من البحث عن الذات في الأيام الأولى من القيام بالممارسات اليوغية المتقدمة، عندما تعلمنا التأمل العميق. إنها طريقة نستطيع أن نستعملها أثناء التأمل العميق إذا طغت علينا الأفكار، المشاعر والأحاسيس الجسدية لدرجة أننا لا نقدر العودة بسهولة إلى المانترا. راجع الدرس 15 للتعليمات بهذا الخصوص.

كذلك في الأنشطة اليومية، عندما نختبر إحساس بانزعاج فكري، عاطفي أو جسدي، نستطيع بسهولة أن ننتبه إلى هذا الشعور من دون تحليل أو تصنيف. في النهاية دائماً نجد مكان هذا الشعور في الجسد، عندها فقط نكون مع هذا الشعور. إن القيام بهذا يؤدي إلى الشعور “بذوبان شيء ما” في داخلنا، يتبعه شعور بالإنفراج والفرح. فإذاً، من دون التورط كثيراً في تحليل كل ما يستحضره الفكر، هذا ليس من مصلحتنا، إننا نملك أداة  فينا لتطبيع الأثار البعيدة المدى لتفكيرنا المختل.

مع تنمية الشاهد في التأمل العميق والبدء بالسماح بإختبار أفكارنا، مشاعرنا وأحاسيسنا الجسدية في الأنشطة اليومية من دون أي حكم، سنملك بداية لمنهجية عملية للبحث عن الذات. إنها نتيجة طبيعية لممارستنا. عندها نبدأ بتضييق الفجوة ما بين البحث عن الذات مع صلة والبحث عن الذات من دون صلة. عندها نستطيع أن نضيف عوامل إضافية تناسب حاجاتنا. عندما يبدأ البحث عن الذات، إنه يتطور عفوياً وسيمر الفكر بتطور نحو عمل أسمى يدعم تنورنا الناشئ. سنشرح هذا في الدرس اللاحق.
في هذه الأثناء، كيفية تناولنا لممارسة البحث عن الذات هو أمر نحن نقرره. من دون شك سنميل لدراسة الموضوع  ومع الوقت سنجد طريقة في البحث عن الذات تناسب ميولنا وأسلوب حياتنا. لا أحد يستطيع أن يقول لنا بالتحديد ما هو نوع البحث عن الذات الذي يناسبنا. من الحكمة أيضاً أن لا نقلد أحد بخياراتنا. هذا لا ينجح في ميدان البحث عن الذات. لهذا السبب لن تجد في الممارسات اليوغية المتقدمة أي نصيحة حول كيف يجب أن ترى العالم. ستكتشف ذلك لوحدك من خلال تجربتك المباشرة. إن سعينا هو نوع من البحث عن الذات أيضاً، إنها رحلة تفتحنا. إذا ثابرنا بذلك، سنضيق الفجوة وسنختبر الحقيقة في كل شيء نقوم به. حقيقة العيش بفرح أزلي ومشع في الحاضر.

المعلم في داخلك.

« »