الدرس 323 – دور المعرفة، الفلسفة والإختبار المباشر

From: Yogani
Date: April 17, 2009

للأعضاء الجدد: من المفضل قراءة الدروس من البداية، لأنها ضروريةٌ لفهم الدروس الحالية بشكل صحيح. أول درس هو “الهدف وراء هذا الحديث.”
كلنا نريد أن نعرف الحقيقة عن وجودنا على هذه الأرض. طوال حياتنا قد نبحث عن جواب من خلال طرح اسئلة مثل:

“من انا؟”

“ما الذي اقوم به هنا؟”

من هو أو ما هو الله؟”

ما هي حقيقة الأشياء؟”

” هل الذي أختبره الآن هو أمر حقيقي؟”

إلخ…

إذا سألنا أسئلتنا مع شعور ومثابرة، إذا استمرينا بالبحث، فإن الأجوبة ستأتي إلينا عاجلا أم آجلا. إن منهجنا في البحث سيحدد معدل تقدمنا ودرجة الراحة أو الصعوبة التي قد نختبرها في طريقنا نحو المعرفة. لذلك، إن إتباع منهج يعطي نتائج متوقعة يعطينا منافع مهمة. سنحاول في هذه الدروس ان نشرح منهج موثوق في  ميدان البحث عن الذات. الرجاء التحمل والصبر في الدروس القليلة المقبلة للحصول على فهم تام للبحث عن الذات.

إن تحقيق قدر من “الموثوقية ” في ميدان البحث عن الذات هو فكرة جديدة لأن المناهج التقليدية للبحث عن الذات تتضمن عادةً الكثير من عدم اليقين وذلك لأسباب ستصبح واضحة عند الإنتهاء من قراءة الدروس القليلة المقبلة. هل عدم اليقين أمر ضروري؟ لا. إنه مجرد الحصول على البعض من التعليم والفهم  لديناميكيات التحول الروحي للإنسان. مع القليل من المنظور العملي، نستطيع القيام بالرحلة الروحية  من دون سحب عنيف لمفاصل المدخل الإلهي لجهازنا العصبي ومن دون أن نعلق في مكائد حلقات الفكر التي لا تنتهي. إنها لمفارقة أن المناهج الرسمية والمنظمة للبحث عن الذات تؤدي الى عدم اليقين والى نتائج محدودة.

إذا كان البحث عن الحقيقة مجرد مسألة تطوير فهم  فكري لطبيعة الواقع، لكانت مسألة سهلة- بسهولة أن نأخذ درس في الفيزياء وفي مبادئ الميكانيكية الكّمية. مع درس الفيزياء هذا، سنعرف أن كل ما نراه ونقوم به في الحياة هو لعبة تحصل في المساحة الشاسعة للفراغ المطلق، مع تفاعل لا يحصى للطاقة مما يخلق منظر و مادة لكل الأشياء التي نظن أنها تشكل عالمنا الحقيقي. الى أي درجة هذا العالم الذي ندركه من خلال حواسنا حقيقي، خصوصاً أن كل ما نراه ، نسمعه ونلمسه هو مجرد طاقة تتفاعل مع ذاتها في الفراغ الشاسع؟ هذا سؤال لا نستطيع تجنبه عندما نفكر بالتبعات القصوى للفيزياء الميكانيكية الكمية على نظرتنا لحياتنا في هذا العالم. لماذا يبدو أنه هنالك تضارب واضح في ما تقوله الفيزياء والعالم المادي الذي ندركه من حولنا؟ وكيف يؤثر هذا التضارب على نوعية حياتنا؟ هل معرفة حقيقة هذا الأمر تخفف عذابنا كما وعدنا الحكماء في العصور القديمة والحديثة؟  نستطيع ان نكتشف ذلك بواسطة تجربتنا الشخصية والمباشرة. إنها مسألة إدراك. لنختبر ونعرف أكثر، علينا صقل إدراكنا. على الرغم أننا لا نستطيع إدراك موجات الراديو بواسطة حواسنا العادية، لقد طورنا تكنولوجيا لإدراك هذه الموجات والإستفادة منها. بهذه الطريقة، الفيزياء الحديثة فتحت لنا الكثير من الأبواب. من المثير للإهتمام، إن علوم اليوغا القديمة متقدمة أكثر بكثير من الفيزياء الحديثة بموضوع التعامل مع العالم الغير مرئي للفراغ المطلق الذي نحن مصنوعين منه ونعيش فيه. في حين أن العلم الحديث يعتمد على أجهزة لنتمكن من إدراك وإستعمال مبادئ موجودة في الطبيعة لا نستطيع رؤيتها، إن اليوغا تعتمد على الجهاز العصبي للإنسان للقيام بذات الشيء مع نتائج ملحوظة.

إن فكرة  إستعمال جهازنا العصبي كأداة رئيسية  لتمييز وإستعمال الحقيقة المطلقة للحياة  قد تبدو فكرة جديدة. لكن هناك مجموعات صغيرة من الأشخاص تقوم بهذا الشيء منذ آلاف السنين. إن الأديان حول العالم نشأت من هؤلاء المجددين الروحيين. الآن نجد أنفسنا في عصر المعلوماتية، حيث نستطيع تقطير، حفظ ونشر المعرفة بشكل أسهل. إن تكنولوجيا العصر الحديث تستطيع مساعدة العلم الروحي القديم.

بسبب النهوض السريع للمعرفة، لقد وصلنا الى نقطة تحول، نقطة حيث الكثيرين حول العالم يستطيعون أن يتعمقوا في بحثهم عن طبيعة الأشياء، فينقلون – بواسطة البحث العميق – وجهة نظرهم من الخارج الى الداخل، نحو ذاتنا الداخلية المشعة. هذا أصبح ممكناً بفضل ظهور المعرفة عن الممارسات الروحية  المندمجة في العالم الحديث والتي تتضمن (كجزء) مبادىء وطرق عملية للبحث عن الذات.

البحث عن الذات ليس أمراً جديداً. هو جزء من اليوغا وأنظمة أخرى منذ قرون. إسمه جنانا يوغا مما يعني “التوحيد من خلال المعرفة”. أي توحيد النواحي الخارجية والداخلية للحياة. البحث عن الذات يسمى ايضا بطريق التمييز. أو طريق العقل. معرفة ماذا؟ تمييز ماذا؟ هذه أسئلة منصفة. الجنانا تعني أيضاً الحكمة التي تدل على مستوى اعمق من المعرفة، المعرفة الروحية حيث الأسئلة والأجوبة تصبح واحد أحد، أي النتيجة النهائية للبحث عن الذات ولكل اليوغا.

في الدروس اللاحقة سنغوص بتفاصيل البحث عن الذات وفي الممارسات اليوغية الإضافية التي يعتمد عليها نجاح البحث عن الذات. لكن في البداية، لنلقي نظرة على علاقة الفلسفة مع الإختبار مما يساعد في تشكيل إطار وأساس لمنهج عملي للبحث عن الذات. هذه نقطة البداية.

عندما نبدأ بالتفكير في طبيعة الأشياء، من المفيد أن يكون عندنا أساس على شكل فكرة أو هيكل. أو من الأفضل أن يكون عندنا مثال. لقد ذكرنا الفيزياء الكمية لهذا السبب، إنه المثال العلمي الحديث للفراغ الكامن وراء عالمنا المادي. إن التعاليم الفلسفية القديمة في الشرق تتطابق مع هذا الرأي، وتضيف عامل آخر- وجود الوعي في الفراغ المطلق، الوعي. قد لا يكون من الممكن التأكد من أن الفراغ الكامن وراء كل شيء هو وعي، لكن نستطيع التأكد من أن الذي ينبع من الفراغ هو واعي، لأننا نحن واعيين.

إن فلسفة الشرق القديمة وبعض الفلسفة الغربية  تؤكد أن الفراغ هو الذات الكبرى وان كل الأفراد هم مجرد شعاع ينبع من الذات الواحدة العظمى، تماماً مثل الأمواج العديدة في المحيط الواحد. إن الأمواج تظهر على سطح المحيط ومن ثم تذوب وتظهر من جديد على سطح المحيط. هكذا دواليك. إن الأمواج هي تعابير متغيرة دائماً ترقص على سطح  المحيط الواحد العظيم.

هل محيط الفراغ العظيم الذي يتعدى الكون الظاهر هو واعي؟ هذا أمر مطروح للنقاش. لكن ليس هنالك من نقاش حول ما إذا كان الإنسان واعي. الإنسان واعي، هذا لا شك فيه. هذه الحقيقة الوحيدة  تكمن وراء كل ميدان البحث عن الذات. هناك علم نظري شاسع في نصوص الفسلسفة الشرقية والغربية، بالإضافة إلى عامل التجربة في الوعي الموجود في كل إنسان.  إستعمل هذين معاً وستحصل على بداية البحث عن الذات.

الأمر فعلاً بسيط جداً. إذا عرفنا ماهيتنا الفعلية أي المحيط قبل، خلال ومن بعد الموجة، عندها يتم البحث عن الذات. التنور يحصل. في الفلسفة هذا يسمى نهاية المعرفة. في الشرق هذا يسمى فيدانتا، أي نهاية الفيدا أو نهاية المعرفة.

لكن في التجربة، الأمر ليس بهذه البساطة. نحن بحاجة الى شيء إضافي، غالباً ما يتجاهله الذين لديهم وجهة نظرعنيدة حول تنور الإنسان. إذا تجربتنا الشخصية لا تتناسب مع الفلسفة او مع ما يزعمه شخص آخر عن تجربته، عندها البحث عن الذات ليس كاملاً. المتشددون يقولون ان الفراغ يتخلل كل شيء وأننا نعيش في وجود “غير مزدوج” وليس في الوجود “المزدوج”  الظاهر. في تلك الحال على كل واحد منا ان يتأكد من صحة هذا الكلام بتجربته الشخصية. عندها سنعلم. حتى ذلك الحين، لا يجب أن نصدق كلام أحد. لهذا السبب وجدت طرق البحث عن الذات.

ولكن يتبين لاحقاً أن البحث عن الذات لوحده هو هدف متحرك، يتغير جداً بنتائجه وفق الشخص الذي يقوم به. مثلما بعض الأفكار تلقى صدى لدى بعض الأشخاص وليس على أشخاص آخرين، إن طرق البحث عن الذات تلقى صدى عند بعض الممارسيين وليس عند ممارسين آخرين. سبب هذا الإختلاف هو الحالة الداخلية للجهاز العصبي لكل إنسان. طبيعة ودرجة التطهر الداخلي والإنفتاح العميق في داخلنا يؤثر مباشرة على درجة الوعي المتوفرة للحصول على معرفة مباشرة لطبيعة الوجود  تعتمد على التجربة .

العامل الأساسي هو وجود ما نسميه “الصمت الداخلي” أو صفاء وعي الغبطة، الذات أو الشاهد. يسمى الشاهد لأن الثبات في وعينا هو الأساس، وعندما يتشكل، يتمكن من إختبار كل الأفكار، المشاعر، والأحاسيس حول عالمنا الخارجي على شكل أشياء لا صلة لها بتاتاً بوعينا الذي لا يتغير.

إن وجود الشاهد يغيرشكل وفعالية كل طرق البحث عن الذات بشكل جذري، ورؤيتنا للحياة اليومية أيضاً. عندها، البحث عن الذات الذي كان هدف متحرك اصبح الآن ثابتا، كما نصبح تلك المعرفة التي كنا نبحث عنها. كنا هذا منذ البداية، والشاهد هو هذا. هنالك ذلك القول القديم، الشيء الذي نبحث عنه هو الذي يقوم بالبحث. إن وعينا الداخلي في هيئة الشاهد هو الإثنين، الهدف والطريق للوصول الى الهدف.

نستطيع تنمية الشاهد عند الإنسان من خلال القيام بالبحث عن الذات. لكن، من الصعب جداً القيام بذلك في حال إستعمال البحث عن الذات كوسيلة وحيدة. إسأل أي شخص جرب هذا الأمر من دون القيام بأي ممارسات أخرى داعمة.

إن طريقة فعالة أكثر بكثير لتنمية الشاهد هي التأمل العميق اليومي (راجع الدرس13). عندما يحصل هذا النوع من التنمية بطريقة مستمرة، عندها البحث عن الذات سيكون له المقدرة للتأثير على حياتنا فيضيف منافع إضافية بعيدة المدى لن نتمكن من الحصول عليها عند ممارسة التأمل العميق لوحده أو عند ممارسة البحث عن الذات لوحده. عندما نقول “تأثير” نعني تشكيل علاقة حميمة بين وعينا العفوي وإدراكنا للعالم الخارجي. إن الشاهد الداخلي الراسخ الممزوج مع البحث عن الذات، يوصلنا بثبات نحو حالة من التوحيد تتخطى الصعود والهبوط في الحياة حتى ونحن نقوم بكل أنشطتنا اليومية المعتادة. في تلك الحالة، ليس هنالك من تمسك أو من تعلق.

إذا كنا نريد البحث عن الذات الحقيقي، علينا النظر أبعد من مذاهب النظم الفلسفية الجامدة والإهتمام بالعمل الداخلي لجهازنا العصبي. إذا قمنا بذلك، سنتخطى الأفكار لنصل الى التجربة. عندها الموجة ستدرك أنها المحيط حتى ولو بقيت موجة.

فإذاً، الفلسفة ليست هدف بحد ذاته، إنها بداية، نقطة إنطلاق للمعرفة الأعظم التي هي تجربة مباشرة مستمرة لطبيعتنا الحقيقية- ذاتنا الأبدية، الإشعاع الإلهي، الوعي الغير محدود، غبطة الوعي، الفراغ، التاو أو مهما تريد تسميته. عندما تصبح هذا الشيء تستطيع أن تعطيه أي إسم تريد. البعض يسمونه السعادة الصافية.

المعلم في داخلك.

« »